طائفية الاستفتاء

طائفية الاستفتاء

ولا تزال تواجه الثورة المصرية الأسئلة العسيرة ..

بعد طائفية الدولة، الآن تواجه الثورة طائفية صناديق الاستفتاء .. هل صارت “نعم” اسلامية؟ و”لا” مسيحية؟

في استفتاء على تعديلات دستورية مشوهة لم ترق إلى الحد الأدنى لمطالب الثورة، لم ترق لمستوى تضحيات الثورة، تعديلات أرخص كثيراً من دماء شباب مصر الطاهر الذي ثار أساساً لأجل أوضاع مقلوبة كرسها وأسسها دستور 1971، في هذا الاستفتاء صار فجأة التصويت بـ “نعم” يعني نصرة للاسلام، والتصويت بـ “لا” هو انقاذ للمسيحية، وتلك أكبر خدعة يراد بها تدمير الثورة المصرية النبيلة.

“نعم” الإسلامية

و “لا” المسيحية

في البداية نتفق على أن كل شعب مصر يحب مصر، ومن يقول “نعم” يظن أن صوته هذا يخدم مصر بشكل ما، وكذلك من يقول “لا” يظن أيضاً أن صوته هذا يخدم مصر، وقد يكون كلا الطرفين على صواب وتكون “نعم” و”لا” تخدمان مصر عبر مسارين مختلفين. أقول هذا وقد حسمت أمري برفض التعديلات، أقول هذا لأني أعلم جيداً لماذا أرفض التعديلات، ولست أرفضها لكوني أختلف مع أي تيار ديني أياً كان دينه، فالدين لا يجب أن يهان في ساحات السياسة.

    فلماذا أقول “لا” ؟
  • لأن هذا الاستفتاء بصورته المتعجلة هذه، يعتبر اختبار مبكر لشرعية شباب 25 يناير في الشارع السياسي؛ ويعتمد نجاحهم أو فشلهم على قدرتهم على حشد الناس في مواجهة من سيحشدهم التيارات القديمة (الوطني والاخوان بشكل اساسي)، باختصار هي تصفية سياسية مبكرة لشباب الثورة، إما أن يرضوا بالفتات (التعديلات) أو يقبلون التحدي، ويدخلون في مواجهة لرفض التعديلات، والضغط لتحقيق تغيير حقيقي (وهذا ما حدث فعلاً). فإذا كان الجيش يحكم البلاد من خلال شرعية ثورة الشعب، وإن كان الجيش قد جاء بشكل غير دستوري (حيث لا توجد أي مادة في الدستور تؤيد وجوده الحالي ناهيك عن كونه عطل الدستور) فهذا يعني سقوط الدستور بنجاح الثورة، فلماذا هذا التحرك المضاد للثورة الآن؟
  • ولأن التعديلات في مجملها لم تقدم تغيير حقيقي إلا فيما يخص الغاء مبدأ (سيد قراره) وهو مبدأ تم استعماله بشكل فاسد من قبل الحزب الوطني، بالإضافة إلى أن هذا المبدأ تم التخلي عنه حين كان مبارك في السلطة حين قرر اعادة النظر في عضوية الاعضاء المطعون في عضويتهم، اما ما خص قانون الطوارئ وعدم محاكمة المدنيين امام عسكريين كانت مطالب مقدمة لنظام مبارك، وكان يمكن ان يتنازل عنها من أجل البفاء في السلطة، هذا ليس تغييراً شاملاً لنظام، التعديل الآخر الحقيقي هو تحديد مدة الرئاسة بـ 4 سنوات وعدم تجديدها إلا لمرة واحدة؛ وحتى هذا التعديل (المادة 77) تناقضه المادة 190 التي تنص على أن مدة الرئاسة تنتهي بعد 6 سنوات، وهذه المادة 190 يجري الإعلان عن تعديلها في وسائل الاعلام الرسمية رغم أن بطاقة الاستفتاء لم تذكر تعديلها ولم يذكرها كذلك موقع الاستفتاء الرسمي. فماذا نسمي هذا؟ خدعة؟ وهل يمكن أن نطمئن لهذه التعديلات بعد ذلك؟

نموذج بطاقة الاستفتاء على تعديلات الدستور لم يرد به ذكر أي تعديل للمادة 190

  • ولأن التعديلات لم تقترب من قريب أو بعيد للسلطات “الإلهية” التي يتمتع بها رئيس الجمهورية حسب دستور 1971،

صلاحيات رئيس الجمهورية حسب دستور 1971

ولم تحدد أي وسيلة لحسابه ومراقبة أداؤه فلا القضاء يراقبه (لأنه يرأس القضاء) ولا الجيش (لأنه القائد الأعلى للقوات المسلحة) ولا المجالس التشريعية (لأن هذا التعديل المستعجل والانتخابات المبكرة ستأتي بالوجوه القديمة التي نعلم أنها لم تقدم ولا تؤخر في تاريخ البرلمان)، ولا تنس رئاسته للشرطة واستعماله لها في قمع المتظاهرين فيما سبق ولا يزال يملك هذا الحق؛ حتى المواد المضافة للمادة 189 والتي تتحدث عن الزام الرئيس المنتخب بعد تعديل الدستور بتغيير كامل الدستور من خلال مجلسي الشعب والشورى لا تضمن لنا أن يكون هذا التغيير في صالح الشعب حقاً (حيث يأتي برلمان حريفة الانتخابات والمنتفعين ولا نضمن أن لا تكون لهم مصالح مشتركة مع الرئيس القادم)

  • إذا كان الدستور حتماً سيتغير بالكامل فلم لا يتم تغييره الآن؟
  • نحن لا نريد رئيساً لا نعرف كيف نحاسبه!
  • لا نريد فرعوناً آخر ينتظر منا فروض الطاعة والولاء!!
  • لا نريد بلطجياً يخيّرنا بين أن يحكمنا أو أن يغرقنا في الفوضى !!
  • لاحظ كذلك أن وسائل الاعلام الرسمية تقدم لك التعديلات وكأنها (هدية لا يمكن رفضها) وكأنها منتهى التمنيات، ولا يوجد ما هو أفضل، في حين أنه يوجد ما هو أفضل كثيراً، ويمكن الصبر من أجل تحقيقه. فلم الاستعجال؟

    هذه هي الأسباب الحقيقية لرفض التعديلات، وهي أسباب لا تتعلق بدين أو إله، لأنها اسباب تخص دولة وأفراد، وأنا أدعوك للهدوء والتفكير قليلاً : هل اختيارك للتصويت بقبول أو رفض التعديلات مبني على اساس ديني؟

    لن يقبل أحد التعديلات أو يرفضها دون أن تكون له مصلحة، والاختيار الحاسم يجب أن يكون : هل هذه المصلحة تتوافق مع مصلحة الوطن في هذه المرحلة الحرجة؟ من الخادع جداً أن يقال أن قبول أو رفض التعديلات يصب في مصلحة دين دون آخر، قبول أو رفض التعديلات يصب بالأساس في مصلحة الوطن، ومصر ليست مسلمين أو مسيحيين بالأساس، فلسنا عابدين رهبان متصوفين مقيمين ليلاً نهاراً بالمساجد أو الكنائس، وإن كان فينا من هم كذلك فمكانهم دور العبادة يصلُّون من أجل الوطن، وينأوا جانباً عن معترك السياسة، ويتركوا باقي الشعب يعمل لاجل هذا الوطن دون اغراقه في مستنقع ربط الدين بالسياسة.

    التصويت بـ “نعم” لن يخدم الاسلام، فهو لن يغير شيئاً في مصير المادة الثانية، لأن الخوف من تعديل المادة الثانية ليس له معنى طالما الدستور (كدة كدة) سيتم تغييره بالكامل، أما التصويت بـ”لا” فلن يحمي المسيحيين من قدوم الاخوان لساحة السياسة؛ لأن الاخوان (كدة كدة) موجودين، أرجوك أن تضع الدين جانباً حين يكون الأمر سياسي بحت. لا توجد مصلحة لأي دين من خلال السياسة، هل تعتقد أن الله –جلّ جلاله- محتاج لأن تمثله في مجلس الشعب، أو أن تحكم بأسمه؟ هو يحكم الأرض كلها وهي كذرة رمل وسط مخلوقاته؛ لا توجد مصلحة لدين بل لـ “مجموعات” من الناس تريد مصالح معينة من خلال خوضها السياسة، ومصالحها قد تتوافق أو تتقاطع مع مصالح الوطن، وهنا فقط نحتاج أن نحكّم عقولنا كي لا ننخدع باسم الدين سواء في قول “نعم” أو “لا”.


    أدعوك أن تفكر جيداً وأن يكون اختيارك مبني على مصلحة مصر أولاً. فهذا ليس استفتاء على الاسلام أو المسيحية؛ فالأديان بقت عبر القرون رغم الاضطهادات المختلفة، فقط السياسة مرّغت أتباع الأديان المختلفة في الدم والوحل، ولم يكن ذلك بأوامر إلهية بل لمصالح سياسية.

    وأترككم مع مقال د.خالد منتصر عن قدسية الدين وألاعيب السياسة منشور بالمصري اليوم 13-3-2011

    من يحب الله حقاً لابد أن ينزهه عن أحراش السياسة.

    المصريين .. إيد واحدة 🙂

    Advertisements
    Comments
    4 تعليقات to “طائفية الاستفتاء”
    1. sherineragheb كتب:

      مقالة رائعة تستخدم القلم وكانه ريشة فنان لرسم صورة للوضع في المجتمع المصري قبل الاستفتاء بايام

    2. Hebat El-Niel كتب:

      متنساش ان الاخوة الجماعه المظورة سابقا بتقول اننا مدعومين من جهات خارجية وبناخد تمويل خارجي
      مع انهم هما الي بيوزعوا ازايز زيت وكياس سكر على الناس عشان يروحو يقولو نعم
      وطبعا هي دي الديموقراطية

    اترك رد

    إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

    WordPress.com Logo

    أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

    صورة تويتر

    أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

    Facebook photo

    أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

    Google+ photo

    أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

    Connecting to %s

    %d مدونون معجبون بهذه: