قراءة في كتاب “بحث الانسان عن نفسه” لعالم النفس الأمريكي “رولو ماي” -1-

فكرة الكتاب:

قام المؤلف بتأليف هذا الكتاب بعد الحرب العالمية الثانية، حيث زاد إيقاع الحياة، وتفككت الروابط بين البشر، وزادت عزلة الإنسان، وأطلق الكاتب على هذه الفترة الزمنية “عصر الحصر Anxiety” وهي كلمة يمكن أن تترجم أيضاً “ضيق” أو “قهر” وبمعنى عام كل ما يعني ضغطاً نفسية يحصر أفكار ومشاعر الإنسان في نطاق معين، وكل ما يعطي شعوراً بعدم الأمان يدفع الإنسان للشعور بأنه مشلول الحركة والتفكير؛ محاصر في ركن مظلم من الحياة، لا يستطيع مغادرته، وأعتقد أننا نعيش الفكرة ذاتها في عصرنا الحالي حيث زاد التفكك، وأصبحت معظم روابطنا شكلية يحكمها الظاهر. إعتبر الكاتب هذا “الحصر” فرصة ذهبية للإنسان كي يعرف نفسه حقاً ويعيد اكتشاف ذاته ليحقق مايريده فعلاً ولا يكون مرآة لأفكار وأحلام الآخرين، بمعنى أن يفعل الذي يحقق ذاته فعلاً وليس الذي يحقق رضا الآخرين.


“المغامرة تسبب الحصر؛ لكن عدم المغامرة يؤدي لفقدان الذات. أن نغامر لأقصى مدى هو تحديداً أن ندرك ذاتنا” كيركجارد


الجزء الأول من الكتاب: “مصيرنا”

الفصل الأول: وحدة وحصر الإنسان الحديث

أكثر المشاكل التي تهدد الإنسان –بعيداً عن أخطار الحروب والأزمات الإقتصادية- هي عدم السعادة، وعدم القدرة على اتخاذ القرار، والخواء (فقدان المعنى في الحياة)، واليأس العام.


* الفراغ :

الفراغ يظهر في عدم وجود أهداف للحياة، ويظهر أيضاً في عدم القدرة على تحديد المشاعر والرغبات والأحاسيس، يظهر الفراغ حين يحدث فشل واضح في الحياة (علاقة عاطفية-دراسة-عمل)، ونكتشف فجأة أننا فشلنا في شيء كان يتوقعه الآخرون منا، دون أن ندرك ما الذي نريده نحن لأنفسنا، بسبب ضعف إدراكنا لواقعنا الخاص وحياتنا الخاصة، قال أحدهم:”ما إنا إلا مجموعة من المرايا تعكس ما يتوقعه الجميع مني”.

كانت المشكلات النفسية قبل “فرويد” تنحصر في عدم القدرة على الإعتراف بالرغبات المكبوتة، أما وقد حرر “فرويد” الكثيرين من هذا الذنب في التعبير، صارت المشكلة أن إشباع هذه الرغبات يتسبب في المزيد من الفراغ؛ لأنها أصبحت شيئاً آلياً وليس شيئاً نابعاً من رغبة المرء في معرفة ذاته.

البعض يسعى للحصول على الإتزان الداخلي عبر “الأخلاق الفيكتورية” 
وكلمة “فيكتوري Victorian” تنسب لعصر الملكة فكتوريا ملكة بريطانيا التي تميز عصرها بالنفاق الاجتماعي والانغلاق على المشاعر والكذب، بمعنى أن يظهر الفرد بالمظهر الذي يعجب المجتمع حتى لو لم يكن يعبر عن ذاته وشخصيته، وحتى لو تحرر المجتمع من بعض “محرماته”؛ فإن الكثيرين يظلون يبحثون عن القبول من المجتمع المحيط؛ حتى لو أدى ذلك لفقدان شخصياتهم وإمتصاصهم وسط هذا المجتمع. 

يتم تشبيه هذا بأن المجتمع ينمِّي داخل أفراده (رادار) أو قرون استشعار يمكنهم بها أن يعرفوا ما يسبب قبولهم أو رفضهم، هذا الرادار يوقف أوتوماتيكياً التميز الشخصي للفرد والإبداع الذاتي لأنه يحوله إلى نسخة أخرى مما يريده المجتمع وليس ما يريد هو أن يكونه.

خطورة هذا الأمر أنه في العصور الشمولية كنا نصل للنتيجة نفسها من خلال إرهاب الحاكم “الديكتاتور”، لكن في عصور أكثر إنفتاحاً وحتى لو حلمنا بالديموقراطية المثالية، فإننا سنصل لنفس النتيجة من خلال رغبتنا في أن يشبه بعضنا بعضاً لتحقيق رضانا عن بعض.

النتيجة هي مزيد من الملل، والعزلة، والسلبية في الحياة. إن الإنسان لا يستطيع الحياة في حالة الفراغ هذه كثيراً بل دائماً يسعى للنمو؛ فإذا تعطلت إمكانيات النمو لديه، ستتحول للمرض واليأس وتؤدي لأفعال عكسية تدميرية.

خبرة الفراغ (الخواء) هذه تأتي من شعور الإنسان بعدم الحيلة فيما يصنع، وعدم القدرة على إحداث تغيير مؤثر في حياته، أو في العالم، الخواء الداخلي هو تراكمات داخلية لشعور المرء بأنه لا يستطيع توجيه مسار حياته، أو توجيه علاقاته بالناس، أو التأثير فعلياً في الشكل الذي يريده لحياته، تدريجياً يفقد المرء القيمة والمعنى في أحلامه، وأحاسيسه، ومشاعره، وآماله. وقتها يكون خط الدفاع الأخير هو فقدان الحس (لا مبالاه) تجاه كل ما يمسه أو يسبب له ألماً كجيلة دفاعية أخيرة ضد “الحصر”.

وبالتالي الناس يعيشون تحت “سطوة غير محددة خفية” ليست هي تحديداً “الأخلاقيات” أو “الدين” أو “النظام الحاكم” بل الناس أنفسهم، والناس ماهم إلا تجمع أفراد كل منهم يضبط “راداره” على موجة “ما يتوقعه الآخرون منه”.

النتيجة أننا ننمِّي خوائنا الجماعي. 

النتيجة هي تقزيم وإفقار الناس نفسياً، واستسلامهم لسلطوية ديكتاتورية مدمرة.

* الخواء :

وتسمى كذلك “العزلة” أو “الإغتراب”؛ أن يشعر الإنسان بأنه وحيداً، وأن تكون علاقاته روتينية، يشكو الكثيرين ممن تنتهي علاقة عاطفية لديهم بالشعور بالوحدة، قد يكون هذا هو الشعور الغالب أكثر من الحزن أو الجرح أو فقدان شيء غالي!

الوحدة هي مرحلة تالية للخواء، فحين يفقد المرء إحساسه الداخلي بالمعنى والهدف من حياته؛ يشعر بالخطر، ويتجه للآخرين علهم يعطونه بعض الطمأنينة، أو يشعرونه أنه ليس وحيداً في خوفه وحصره. سعي الإنسان نحو الآخرين عند الشعور بالخواء ليس سببه حتماً البحث عن حماية الآخرين، وليس سببه ملء إحتياج داخلي (طبيعي وأساسي) للتعامل مع الآخرين؛ حيث أن الإنسان يشعر بكيانه من خلال الآخرين؛ بل لأن الفكرة السائدة هي أن “القبول الإجتماعي” هو الطريق للتخلص من هذا الفراغ وهذا الشعور “بالحصر”؛ مما يؤدي لتشغيل برنامج “إرضاء الآخرين” الذي يؤدي لمزيد من الفراغ. هذا الخوف من الوحدة وعدم القبول الإجتماعي هو الدافع وراء رغبة الناس في أن يكونوا “مدعوين” للقاءات والتجمعات والمناسبات؛ لكن حين تكون رغبة المرء الحقيقة هي البعد عن الصخب فإنه يواجه تحدي من نوع آخر هو عدم القدرة على رفض الدعوة، لأنه وقتها لن يجد من يدعوه مستقبلاً ويكون قد وقع في عزلة حقيقية. 

إن الخوف من الوحدة هو رفيق دائم في كل مراحل الحياة، لذلك يسعى المرء لتطمين ذاته من خلال أن “فلان” و”فلان” يحبونه ويدعونه لمناسباتهم، برغم أن “فلان” لم يدعوه لحفل آخر. إن المرء يدرك ذاته من خلال الآخرين؛ لكن الحاصل أنه زادت جداً إعتمادية الفرد على ما يقوله الآخرين، وإحساسه بالواقع من خلالهم، فصاروا مثل العميان الذين يتلمسون طريقهم في الحياة عبر سلسلة من البشر الآخرين.

القبول الإجتماعي صار له السطوة الغالبة (أن نكون محبوبين)، وهذا يريح الفرد فهو يشعر بدفء إجتماعي مريح ممن حوله؛ لكن الثمن باهظ! وهو التخلي عن وجوده كذات خاصة متميزة متفردة، إي أن الخواء أدى للشعور بالوحدة، والوحدة تتم معالجتها بالقبول الاجتماعي على حساب أحلام وأفكار المرء الخاصة به؛ مما يؤدي للمزيد من الخواء !!

*الحصر وتهديد النفس:

الزمن الذي تم تأليف فيه هذا الكتاب (خمسينيات القرن الماضي) كان يدعى “زمن الحصر” والسبب هو زيادة خوف الإنسان من الفراغ والانعزال والفناء، خاصةً بعد ظهور التهديد النووي، وزيادة الحروب العالمية منها والباردة، والأزمات الإقتصادية الطاحنة، وهنا ينطلق الكاتب ليقول أن كل هذا ماهو إلا أعراض لفراغ نفسي وروحي أدى لظهور النظم الشمولية التى إدعت سد هذا الفراغ، وكان الثمن أن الناس باعوا حريتهم مقابل التخلص من الحصر الذي صار أكبر من أن يتحملوه فيما بعد.

إذن الحصر هو المنبع الأساسي لكل هذه الأزمات؛ إنه طاعون العصر الحديث، نحن نعاني من الحصر لأننا لا نعرف الأدوار التي يجب أن نقوم بها، والمثال الذي يجب أن نتبعه، والمبادئ التي يجب أن نؤمن بها، إن حصرنا الفردي هو ارتباك يجعلنا لا ندري إلى أين نحن ذاهبون. هناك حيرة أساسية فيما يتعلق بقيم وأهداف الإنسان الحديث، 

إنه الحصر .. أن يسقط جيل بأكمله في فخ بين عصرين، أو فكرين، أو نمطين من أنماط الحياة (وربما أكثر) فيفقد القدرة على فهم نفسه ولا تعود هناك معايير واضحة وهي أبسط قواعد الأمان.

لكن الأمل موجود لأن الحصر يعني “صراع” وطالما هناك صراع فهناك إمكانية لحل بناء، الاعتراف والمواجهة هما بداية الطريق.

ما معنى الحصر؟

يتم تشبيه الحصر بإنسان يعبر طريقاً وفجأة يجد سيارة مسرعة قادمة تجاهه، فيرتبك ويعود من حيث أتى لكنه يجد سيارة أخرى قادمة في الإتجاه المعاكس .. مما يؤدي لشلل التفكير بسبب الرعب، وعدم القدرة على تحديد أين يذهب ..

الحصر غير الخوف .. في الخوف أنت تعرف ماذا يهددك فتتصرف على أساسه، أما الحصر ففيه لا يتم إدراك الخطر، وبالتالي لا تدري ماذا تفعل لمواجهته، تجد نفسك تائهاً زائغاً وقد سقطت في فخ لا فكاك منه (الحصر ~ الحصار). قد يكون الحصر بسيطاً مثل مقابلة شخص مهم، أو دخول إمتحان غير مصيري؛ لكن حينما يهدد الحصر وجودنا ذاته؛ عندما يتعلق بقيمنا وأهدافنا وطريقنا في الحياة؛ نصبح كمن ضربته صاعقة مشلولاً عاجزاً عن التفكير أو الحركة. الحصر ناتج عن تهديد لقيمة الوجود ذاتها.

الحصر في حد ذاته تهديد أقوى من كل التهديدات، كمن يقفز من قارب نجاة ليغرق بسبب شكه وقلقه المستمر إذا كان قارب النجاة هذا سينجيه فعلاً!!

لذلك يختلف الحصر من فرد لآخر بسبب اختلاف القيم التي يتعلق بها وجود كل فرد عن غيره، وهنا نتكلم عن الحصر المعتاد وليس الحصر المرضي.

وبعض الحصر غير ناتج عن تهديد حقيقي وربما يكون ناتجاً عن صراع داخلي للمرء نفسه، كمن يعاني من مشكلة عاطفية فيتوقف عن التعامل مع الجنس الآخر مكرساً نفسه لعمله، فمهما حقق من نجاحات في ع مله ستجد علاقته بالجنس الآخر دوماً متوترة، ويعاني من حصر دائم كلما تعامل معهن .. هذا حصر سببه صراع داخلي وليس تهديد لقيمة.

هذه الصراعات النفسية اللاشعورية هي التهديد الذي لا نعرف مصدره ويسبب هذا الحصر كل مظاهر التوتر والارتباك والعصبية في التعامل مع مواقف بعينها. حينها يكون المرء في حالة إنكار للخبرة الأساسية التي سببت داخله كل هذا الحصر.. ويكون علاجها هو اخراج هذه الخبرة للنور والتعامل معها بنضوج.

قسوة الحصر هي أنه يضرب أعماق الأعماق .. إنه يضرب وعينا وإدراكنا بذواتنا قبل أن يضرب وعينا بالواقع .. مثل الجيش الذي يمكنه المواجهه والتقدم ضد العدو مهما سقط من صفوفه الأمامية في القتال .. لكن إذا تم ضرب خطوط الإمداد يفقد الجيش اتجاهه وإتزانه فيتفكك ويرتبك جنوده ويقعون في الحصر والرعب. وهذا ما يسببه الحصر في نفوسنا: التشويش والتشتيت والحيرة وفقدان الإدراك السليم. لكن حال الجيش يلتئم ويبدأ في ترتيب صفوفه من جديد إذا تم إعادة ربط خطوط الإمداد هذه، وفي حالتنا هذه هي إدراك الإنسان لذته ووعيه بها.

إذن كما أن الحصر يحطم إدراكنا لذواتنا فإن إدراكنا لذواتنا ووعينا بها يمكن أن يدمر الحصر. الحصر هو اشارة لنا كي ندرك ذواتنا ونعيها جيداً.

من الحصر يبدأ الخطر ومنه يبدأ العلاج .. فمهمتنا هي إذن أن نددعم وعينا بذواتنا ونوجد مراكز القوة الداخلية فينا التي يمكن أن تساعدنا على الوقوف رغم الارتباك والحيرة الناجمين عن الحصر .. وهذا هو الهدف الأساسي للكتاب

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: