قراءة في كتاب “بحث الانسان عن نفسه” لعالم النفس الأمريكي “رولو ماي” -2-


 

الجزء الأول من الكتاب: “مصيرنا”

الفصل الثاني: جذور أمراضنا

* فقدان مركز القيم:

في هذا الجزء يتكلم الكاتب باستفاضة عن معتقدين محوريين كانا دافعين للتقدم الصناعي الغربي والثورة التكنولوجية، وهما: التنافس الفردي ، الإيمان بالعقل والمنطق
من جهة التنافس الفردي؛ الفكرة هي أنه كلما عمل الإنسان أكثر وبذل جهداً مضاعفاً حصل على إنتاج أكير وإقتصاد أفضل وبالتالي الرفاهية للفرد والمجموع؛ أما عن العقل والمنطق فهو الذي قاد الثورة العلمية حتى في مجال علم النفس وتحليل الشخصية .. كان المفترض أن يعمل هذان جنباً إلى جنب مع القيم الأخلاقية الدينية مثل التسامح ومحبة القريب والجار ..الخ؛ لكن الذي حدث أن هذه التنافسية الفردية أدت إلى أن يتجاوز الإنسان أخيه الإنسان في سبيل الثراء والنجاح المادي .. فحدث فقدان للقيم فلم تعد القيم متناسبة مع التقدم التكنولوجي .. تحطم القيم هذا هو أحد الأسباب الرئيسية في الخواء والحصر، وكان نيتشه قد حذر من أن التقدم التكنولوجي لا يعادله تقدم مماثل في الأخلاق وفهم الذات .. لم تعد القيم القديمة هي المؤثرة والدافعة الآن .. وقد عبر نيتشه عن ذلك في مقال تنبؤي عن نهاية القرن العشرين –كتبه في القرن ال19- حيث سينسى الناس الله بتجاهلهم الاخلاقيات والقيم .. وهو ما عبر عنه بـ”موت الإله” أي أن الله مات في ضمائر الناس فلم يعودوا يؤمنون بأي شيء .. وقد تحققت النبوءة من خلال الحروب العالمية والتهديدات النووية والاحتكارات الاقتصادية التي لا تخضع لقيم أو أخلاق..

* فقدان الإحساس بالنفس:

أي فقدان الإحساس بقيمة وكرامة الكائن البشري، فالفرد يبتلع في القطيع، وكل فرد لا يدرك نفسه إلا من خلال نماذج محفوظة، حتى المشاكل النفسية صارت نماذج ثابتة لها حلول ثابتة وكأنها جهاز له كتالوج لإصلاحه، وهذه الأفكار السطحية أساسها نقص في الإيمان بكرامة وحرية الإنسان، وسط الأنظمة الشمولية لم تعد هناك أهمية للقرارات والإختبارات الفردية للفرد لأنه في النهاية مثل حبة رمل متفلسفة تدفعها أمواج المحيط! معظم الناس الآن لديهم أسباب كافية ليؤمنوا أنهم بلا حول ولا قوة .. صار من المعتاد قبول التسلط في الدين أو العلم أو السياسة أو الإقتصاد؛ ليس لأن الكثيرون يقبلون التسلط لكن بالأكثر بسبب الشعور بعدم الجدوى –وهو أحد مظاهر الحصر- يظهر هذا في قصة الغريب للفرنسي ألبير كامو فالغريب هو فرنسي يعيش بالجزائر لا يوجد شيء مميز في حياته بل إنه قتل أحدهم دون مبرر ودون سبب، ولم يدرك حتى إذا كان فعل هذا خطأً أم عمداً .. إنها صورة مرعبة للإنسان الذي هو غريب عن نفسه!
فكرة إرضاء الآخرين بمعزل عن الإبداع الفردي هي المحرك الأساسي لكل ذلك؛ فلو كان هدف المطرب مثلاً تقديم ما يرضي الجمهور دون أن يكون ذلك نابعاً من داخله أو من إبداعه الفردي لصار ذلك تقليداً أعمى، ويصبح بعدها نسخة من آخرين يقدمون نفس السلعة التي لا إبداع فيها ..
من الملاحظ أن أبسط مشاعر إحساس الإنسان بنفسه هي الضحك أو السخرية، لا يستطيع المرء أن يسخر وهو في حالة حصر أو رعب مالم يكن شجاعاً أو مدركاً جيداً لنفسه .. لكن الحاصل الآن هو أن الضحك صار سلعة، أصبحنا نحسب جودة الفيلم بكم مرة يمكن أن يضحكنا! اتصل برقم كذا لتسمع نكات .. إلخ صار الموضوع “كمية” وليس وسيلة لنشعر بذواتنا .. وقتها تصبح الضحكات “الكمية” مجرد وسيلة لتخفيف التوتر وقتياً .. وسيلة هروبية من النفس وليس لتعميق معرفة النفس .. قليلاً ما يمكن أن تسبب الكتابة الساخرة تعميق للإحساس بالقيمة والذات .. وكذلك قليلاً ما تفعل الأعمال الكوميدية!
من المهم جداً استعادة أهمية معنى “أن يدرك الإنسان نفسه”.. إن أعلى درجات المغامرة فعلاً هي أن يدرك الإنسان نفسه!

* فقدان لغة التواصل بين البشر:

لغة التواصل العميقة هي التي تحمل المعاني العميقة لبعضنا البعض، لكن أحد أهم جوانب العزلة هذه هي أننا فقدنا هذه اللغة، مثلاً: كلمة حب تحمل أكثر من معنى حسب المتكلم أو السامع فهل يعني الحب بالمفهوم العاطفي كما في الأفلام، أو الشفقة، أو الصداقة، أو الشهوة الجنسية، أو أي شيء آخر .. ومثلها كلمات : الحق والشجاعة والحرية؛ فهل يفهم السامع الكلمة بالمعنى الذي يريده المتكلم في كل مرة؟ وهل نحرص على أن نصل لذلك الفهم دائماً؟ إننا محددون جداً بشأن المصطلحات العلمية، لكننا لسنا واضحون بنفس القدر حين نتكلم عن المشاعر والعلاقات بين الناس، اللغة مثل أي شيء تتأثر بقوة الحضارات فهي تمر بفترات قوة وإزدهار في ازدهار الحضارة و أيضاً فترات ضعف في اندحار الحضارة؛ فإذا كنا نتكلم كثيراً لتوضيح معنى ما نقوله من كلمات فإن هذا يعني أننا نفقد جزء كبير من طاقتنا ووقتنا اللازم للتواصل.
توجد أشكال أخرى للتواصل مثل الفن، والموسيقى، والرسم.. إذا استطاع أي منها أن يوصل رسالة بأسلوب مبسط يكون ذا معنى حقاً!
يقول نيتشه أنه يمكن معرفة الشخص من اسلوبه أو نمطه المميز الذي يعطي التميز لكل أفعاله .. كذلك الثقافة والفن أو حتى الرياضة .. هل هي فعلاً تعطينا نمطاً أو حتى مجموعة أنماط مميزة تساعدنا على الاقتراب من فهم أنفسنا أم أنها تلهينا عن ذلك من خلال الأخبار والثرثرة والشائعات ؟!

* فقدان العلاقة بالطبيعة:

يحدث عادة أن الناس الذين فقدوا الإحساس بذواتهم يفقدون كذلك الإحساس بالطبيعة سواء الجامدة كالجبال والبحار والوديان .. الخ أو الحية كالحيوانات والنباتات .. الإنسان الخاوي من الداخل يشعر بالطبيعة كفراغ محيط به وبتعبير الكاتب: افقار علاقتنا بالحياة.
لكن حتى الاهتمام بالطبيعة أخذ شكل التحكم التكنولوجي .. فمثلاً: صارت البحار تخطط جغرافياً لتطوير التجارة، صارت الطبيعة شيء يقاس ويحسب للكسب والربح، وهذا لا يعد نقداً للتقدم التكنولوجي وإنما مجرد اشارة لانفصال الطبيعة عن شعور الإنسان، وفقدانه القدرة على أن يرى نفسه ومزاجه في الطبيعة، وأن تكون الطبيعة جزءاً من خبراته .. الإنسان جزء من الطبيعة، وعندما نبني علاقة مع الطبيعة فإننا نضع جذورنا في تربتها الأصلية!

* فقدان الإحساس بالمأساة:

الاحساس بالمأساة هو احترام عميق للكائن البشري، والتزام بالحقوق التي كان يمتلكها! يقول أرثر ميلر “الحق المأساوي شرط من شروط الحياة، شرط يجعل الشخصية البشرية تزدهر وتحقق ذاتها”؛ فصاحب الشخصية المأساوية على استعداد للتضحية بحياته لضمان الكرامة الشخصية! ولذلك نجد أن الأعمال التراجيدية الكبرى كتبت وقت إزدهار الأمم مثلما كتب سوفوكليس الإلياذا والأوديسا وقت إزدهار الحضارة اليونانية أو مثلما كتب شكسبير عن لير وهاملت وماكبث في وقت إزدهار المملكة البريطانية! داخل الشخصية المأساوية رفض داخلي للوقوف السلبي ضد ما يتحدى الكرامة والهدف من الوجود!
المأساة في حد ذاتها تحمل تفاؤلاً أكبر من الكوميديا! لأن الرؤية المأساوية تعتبر حرية الإنسان أمراً حقيقياً يستحق الاهتمام والنضال من أجله، إنها إيمان بإرادة الإنسان في تحقيق ذاته. الصراع الداخلي لإنسان مع نفسه ومع القوى الخارجية يكسبه احتراماً لذاته وللكرامة الكامنة داخله.

لا يدعو هذا الفصل للتشاؤم برغم ما فيه من تحليل قاسي، الجانب الإيجابي هنا هو أنه لا سبيل إلا للتقدم للأمام والبحث عن العلاج المناسب لهذه الأمراض .. مهمتنا هي اكتشاف مصادر قوتنا داخلنا، واكتشاف قيمتنا وقيم مجتمعنا، مع ملاحظة أنه لا معنى لقيمة للشخص أو المجتمع بدون القدرة على الإختيار الفعال ..هذا ما يساعد على تكوين مجتمع صحي .. إن أفضل مساعدة يمكن أن يقدمها أي إنسان لرفاقه في الحياة -مجتمعه- هي أن يكتشف مركز القوة والإبداع داخله!

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: