قراءة في كتاب “بحث الانسان عن نفسه” لعالم النفس الأمريكي “رولو ماي” -3-

الجزء الثاني : إعادة اكتشاف الذات

الفصل الثالث : خبرة أن تصير إنساناً

أحد أهم الفروق بين الإنسان والحيوان هو “وعي الانسان بذاته”، ينشأ هذا الوعي بعد العام الأول من عمر الطفل، حيث أن الطفل يدرك دائماً ذاته منذ كان جنيناً على أنها “نحن” أي هو وأمه، و تستمر هذه الـ”نحن” فترة بعد الولادة تقترب من العام حتى يبدأ يدرك الطفل ذاته كـ”أنا” أي ذات منفصلة ..

*الوعي بالنفس .. علاقة الإنسان الفريدة بذاته:

هي ميزة خاصة للإنسان أن يرى نفسه وكأنها شيء خارج عنه، هي القدرة على تمييز الوقت، على رؤية نفسه في الماضي والحاضر والمستقبل، فيحدث تعلم من الماضي وتخطيط للمستقبل، وبالتالي قدرة الإنسان على تطوير نفسه، وكذلك القدرة على استخدام الرموز، والتفكير في اشياء مطلقة مثل الجمال والخير. هي القدرة على أن نضع أنفسنا مكان شخص آخر لنشعر بأحاسيسه، ونرى كيف سنتصرف لو كنا مكانه، هي القدرة على الإحساس الأخلاقي، والإلتزام بالمثل العليا.
إن هذا الميلاد الجديد للذات ليس أمراً سهلاً لأنه يعني أن الطفل سيواجه العالم بمفرده بدون الحماية التي توفرها قرارات والديه. الطفل السوي السليم هو الذي يمكنه الاستمرار في النمو وسط هذه الأزمات من خلال مساعدة وحب والديه اللذين لا يدللانه بإفراط، وبدون أيضاً كراهيته أو رفضه، إن رفض الأبوين لـ”لا” الطفل وعدم اظهارهم الحب بدلاً من تشجيعه يجعل الطفل يستمر في قول “لا” ليس عن استقلال بل لمجرد التمرد والرفض، ويقود الطفل للشعور بأنه في عالم خطر فيه أن يستقل المرء بنفسه. إن الذات تنشأ وتنمو عبر العلاقات مع الآخرين، لكن هذه الذات لا يمكن أن تتحمل المسئولية إذا ظلت مجرد إنعكاس للآخرين.

“أهم أعمال الإنسان طول حياته وهو العمل الذي عليه أن يطوّره ويجمِّله هو الإنسان نفسه” مقولة لـ”جون ستيوارت ميل

على الإنسان أن يتخذ قراراته واختياراته بنفسه كفرد .. هذه الفردانية هي أحد جوانب وعي المرء بذاته، وفي الوقت ذاته يتعلم كيف ينمو في العلاقات مع من حوله من خلال تأكيد ذاته، وليس مجاراة من حوله.
عندما نحقق قدراتنا وإمكانياتنا كأفراد نحصل على أمتع شعور ورثه الإنسان .. شعورالطفل الصغير حين ينجح في المشي لأول مرة .. الشعور بالنجاح في استخدام قدراته .. هذا الشعور بالسعادة موجود في كل فعل يمارسه الشخص طالما كان هذا الفعل طبيعياً وتعبيراً حقيقياً عن قدرات الشخص.

* احتقار الذات أم إعلاء قيمة الذات؟:

هنا نواجه اعتراضين: الأول: أن زيادة الوعي بالنفس قد تؤدي للإنغلاق على النفس، أما الاعتراض الثاني فهو أن الأديان نهت عن التكبر والإفتخار والتباهي بالنفس.
نبدأ بالاعتراض الثاني حيث أن التباهي والغطرسة ليس نتيجة زيادة وعي المرء بذاته وإنما هي علامات للفراغ الداخلي والشك في الذات، تعبير عن حصر داخلي كبير، من يحس أنه ضعيف يلجأ للظهور بمظهر القوي، ومن يحس بالدنو يلجأ للتباهي والتفاخر، تحقيق مزيف للذات من خلال الكلام الفارغ. هذا ما جعل الشعوب تثق في ديكتاتور مثل هتلر أو غيره، لأنه كان يشبع تحقيق الذات هذا داخلهم من خلال الكلام البراق.
من الواضح أن الساعات التي يقضيها المرء مع نفسه ليدرك ذاته تكون بداية انطلاق له لتطوير وتنمية ذاته. إن حب النفس واكتشاف قيمة النفس هو الطريق لحب الآخرين وتقدير قيمتهم، أما احتقار الذات بدون مبرر فهو تبرير يتخذه الإنسان لإحتقار غيره وتجاهل قيمته، يقول كيركجارد تعليقاً على وصية “تحب قريبك كنفسك” (الكتاب المقدس) يقول: “ستحب قريبك كما تحب نفسك عندما تحبه بوصفه نفسك. إن لم يتعلم المرء من المسيحية أن يحب نفسه بطريقة سليمة، فلن يمكنه حب قريبه على الإطلاق” علماً بأن كلمة القريب تشير عموماً إلى “الآخر”.
نعود للاعتراض الأول عن الإنغلاق على الذات، وهذا ليس صحيحاً؛ فأنت تحتاج لقيادة السيارة أن تكون ملماً بأصول وقواعد القيادة، وكلما ازدادت خبرتك بسيارتك، وقواعد الطريق والمرور، كلما زادت ثقتك اثناء القيادة وصرت أكثر عفوية، وصرت واثقاً من قدرتك على التحكم بالقيادة، وهذا يأتي بزيادة الخبرة والمغامرة والتعرض للمواقف العديدة، كذلك في وعينا بنفسنا، كلما ازدادت خبرتنا بنفسنا كلما صرنا اكثر ثقة وعفوية في التعامل، وكلما ازددنا قدرة على التحكم بذواتنا بشكل أفضل.

*الخبرة بجسد المرء ومشاعره:

من أجل تحقيق الوعي بالنفس يجب عمل إعادة إكتشاف لمشاعر المرء، العجيب أنه عندما تسأل أحد عن مشاعره يجيبك بأنه بخير وهذا قد يكون حقيقي لكنه يعبر عن أن علاقة المرء بمشاعره تشبه العلاقة بين شخصين في مدينتين بعيدتين، إنهم يعطون أفكاراً عن مشاعرهم أنهم لا يشعرون بها ولا تحركهم هذه المشاعر. أيضاً إعادة إدراك الجسد مطلوبة لأن أول ما يكتسب الطفل وعيه وإدراكه بذاته يكون ذلك في جسده، والذي يعتبر حينئذ “أول وعاء للنفس” بلغة علم النفس، ومن المدهش أن وعي الناس بجسدهم يقل كثيراً في وقت الحصر، فالمرء يتجاهل جسده وكأنه مجرد سيارة تحمله من مكان إلى مكان وكأنه شيء منفصل عنه، فتعود الطبيعة لتذكره بذلك في صورة مرض! يتعامل البعض مع الجسد وكأنه وعاء يحمل غرائز يحصل من خلالها المرء على المتعة مثل الأكل أو الجنس، وكأن هذه الأحاسيس شيء منفصل على الإنسان لا يريد أن يعترف أنه منه، وبالتالي لا يتعامل معه بشكل ناضج، حين نتعلم أن “نصغي للجسد” سنتعلم أن نصغي للنفس التي يحملها هذا الجسد ايضاً. إدراك الإحساس هذا هو قاعدة للخطوة الأهم وهي “معرفة ماذا يريد المرء؟” وهو سؤال يبدو سهلاً لكن قليلون هم من يمكنهم أن يجيبوه عن أنفسهم، إن إجابة هذا السؤال تكون حقيقية تماماً في بدايات تعبير الطفل عن ذاته، لكنها تتزيف حين يواجه بالرفض ويكتشف أنه عليه أن يزيف مشاعره كي يرضي من حوله!
إن إدراك المشاعر لا يعني التعبير عنها بلا حياء أو تعقل أو تمييز أينما شاء ووقما شاء المرء، وإنما إدراك المشاعر هو بداية إدراك ناضج للنفس، إن المشاعر المكبوتة لن تختفي إلى الأبد لأنها ستعاود الظهور في شكل قهري مرضي. كل خبرة فورية بالمشاعر هي خبرة متفردة لهذا الشعور في هذا الموقف المعين في هذا الوقت وهذا المكان، وهذا يختلف عن المشاعر المرضية القهرية التي تتكرر بنفس الصورة الملحة مهما اختلف المكان أو الزمان أو الموقف.
بعد إعادة إكتشاف الأحاسيس تأتي خطوة أخرى وهي عودة الوعي بالنزعات اللاشعورية داخل النفس، وهي التي تظهر في حالة الكبت الشديد في صورة أحلام أو حدس، يشبه هذا بمن يقود عربة للجياد بها العديد من الجياد لكنه يسيطر على جواد واحد فقط .. هو يحتاج أن يسيطر على باقي الجياد ليسيطر على العربة وهي هنا الجوانب اللاشعورية. إننا نريد أن ندرك هذه الجوانب التي تظهر خلال أحلامنا أو أحاسيسنا التلقائية غير المنطقية أو “الحدس”. الخلاصة أنه كلما إزداد وعي المرء بذاته كلما ازدادت حيويته. وكما يقول كيركجارد: “كلما ازداد الوعي كبرت النفس”.
هنا نشير إلى خطأين نتجنبهما من خلال الوعي بالذات وهما السلبية، والايجابية المزيفة:
السلبية: هي الاستسلام للقدر ليقود حياتنا دون إدراك للذات وكأنه مبرر للهروب من المسئولية.
أما الايجابية المزيفة: فهي الإندماج في أعمال كثيرة لمجرد أن يشعر المرء أنه يفعل شيئاً ذا قيمة دون أن يكون مقتنعاً وهذا أيضاً لا يؤدي إلى تحقيق ذاته.


Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: