قراءة في كتاب “بحث الانسان عن نفسه” لعالم النفس الأمريكي “رولو ماي” -4-

الجزء الثاني : إعادة اكتشاف الذات

الفصل الرابع: النضال لكي نكون

الطريق إلى إدراك الذات ليس ممهداً سهلاً، لكي تصير إنساناً يجب أن تفعل أكثر من مجرد أن تحس وأن تجرب ما تريد، بل أيضاً يتطلب أن تحارب ضد كل ما يمنعك من الإحساس والمغامرة.
تطور الكائن البشري هو سعي نحو التميز والتفرد والحرية، يبدأ الشخص الكامن فينا كوحدة واحدة جسدياً مع الأم كجنين في الرحم يتغذى بشكل آلي من الحبل السُري دون اختيار من الأم أو الجنين، بعد الولادة يتم قطع هذا الحبل السري، وتصبح التغذية وقتها اختيارية سواء من جانب الأم أو الطفل، فالطفل يبكي حين يجوع، وأمه ترضعه بشكل إختياري، ثم تكتمل عملية إنفصاله وتحوله لفرد عبر خطوات لا نهائية، تبدأ بخروجه من الأسرة وعلاقاته بالمدرسة مروراً بمرحلة المراهقة، اختيار الدراسة واختيار المهنة ثم اختيار شريك الحياة وتكوين الأسرة.
الواقع أن عملية الميلاد والخروج من الرحم ، واستبدال الاعتماد بالاختيار، تتم في كل قرار يتخذه المرء في حياته في طريق مستمر من التعلم كي يصير المرء نفسه.
فما هي إذن الصراعات النفسية المتلازمة مع عملية نمو الفرد ليصير نفسه؟

* قطع الحبل السُري النفسي:

يصبح الطفل شخصاً بشكل مادي حين يتم قطع الحبل السري وقت الميلاد، لكن يبقى حبل سري نفسي يربطه بنطاق والديه ما لم يقطع هذا الحبل النفسي الذي لا يسمح للفرد بحرية الحركة خارج هذا النطاق، ولا لأبعد من المدى الذي يسمح به طول الحبل، وبمعنى أوضح ينزع الفرد إلى العودة إلى هذا النطاق كلما وقع في مشكلة أو صادف فشلاً، وهكذا لن يتعلم أن يكون نفسه أو يتخذ أي قرار حر في حياته، ببساطة لن ينضج أبداً.

* النضال ضد الأم:

في أحد المآسي الأغريقية “ماساة أورست” تتحدث عن كليتمنسترا الأم التي تقتل زوجها وتنفي ابنها، الذي حين يكبر يعود لينتقم منها فتخدعه بايهامه بمشاعر الأمومة وتكون هذه استراتيجيتها كي تستمر في سلطتها، بالطبع هذا نموذج متطرف ليس مقصود به الأم تحديداً لكن “النزعات التسلطية الوالدية” النزعات التي تنفي قدرات الطفل وتخنقها، سلاسل خفية تقيد قدرات الابن وتسجنه في نطاق “الإرضاء” فهو لا يستخدم قدراته لتحقيق ذاته و لحب الآخرين بقدر أن يرضي من يمثل “نطاقاً مسيطراً” في حياته.
يقول الإغريق أيضاً في أساطيرهم أن أثينا ربة الحكمة لم تولد من رحم و إنما انبثقت بشكل ناضج من جبين زيوس .. فهل أرادوا القول أن اغواء الحماية، وقبول الرجعية، وحلاوة السلبية والخمول اساسها النزعة في العودة إلى الرحم، ولذلك جاءت ربة الحكمة تحديداً بدون ولادة من رحم؟
وهنا نتعرض لقول السيد المسيح:”أعداء الإنسان أهل بيته” (إنجيل متى 10: 36 بالكتاب المقدس) فهو لا يبشر بالكراهية والإنقسام وإنما يحدد بشكل حاسم أن النمو الروحي لا يحدث بالإنغلاق للداخل، وإنما بالانفتاح للخارج حيث القدرة على حب الجار والغريب. أي أن لا تحرمه محبة وعلاقات الداخل من الإنطلاق نحو الآخر بالخارج.

* الكفاح ضد الإعتمادية والتبعية:

ليس المقصود مما سبق قطع العلاقات مع الوالدين وإنما قطع الروابط الطفلية التي تمنعنا من الابداع المستقل وتكوين شخصياتنا المتميزة. هذا لا يتم بقرار مفاجئ ينفذ في ضربة واحدة، بل يتطلب مجهوداً شاقاً ليدخل المرة في مراحل متكررة من اعادة التربية والتعلم المستمر و اتخاذ قرارات والاستعداد لمواجهة الصراعات، الصراع ضد الروابط التي تمنعنا من الحب والعمل بشكل سليم يحمل معه الكثير من الحصر وقلة الحيلة وأحياناً الغضب. هذه الصراعات في الأساس صراعات داخلية .. معركة ضد احتياجات التبعية والاعتمادية داخلنا، وما يتبعه من حصر وإحساس بالذنب. باختصار هو صراع بين جزء من المرء يبغي النمو والتمدد والإتساع والحرية في مواجهة جزء يبغي الانكماش والرجعية والارتباط بحبل سري نفسي ليحظي بالحماية الكاذبة والتدليل المزيف بدلاً من الاستقلال.

* أطوار ومراحل في وعي المرء بنفسه:

  • أ.براءة الطفولة: قبل مرحلة الوعي بالذات.

  • ب.مرحلة التمرد: في السنة الثانية للثالثة من العمر، وكذلك في مرحلة المراهقة .. تعتبر مرحلة انتقالية، فالتمرد غير الحرية.

  • جـ.الوعي العادي بالنفس: يتقبل المرء أخطاءه واحساسه بالذنب ويتعلم منها كخبرات ويبدأ يتخذ قراراته بمسئولية.

  • د.مرحلة الوعي الخارق: وهي مرحلة تأتي نادراً لقليل من البشر، تأتي من خلال اكتشاف حل فجائي لمعضلة يأتي من اللاشعور أو اللامكان، يسمى كذلك بالوحي أو الإلهام أو الإستعلان، ويظهر كثيراً في الأنشطة العلمية أو الدينية أو الفنية. يسميه نيتشه الوعي المتجاوز للذات، أو الوعي المتسامي بالذات كما يقول التقليد الديني، أو الوعي الابداعي بالنفس كما يسميه المؤلف. المصطلح النفسي هو “النشوة Euphoria” وأصلها كلمة تعني الوقوف خارج النفس، كما لو كنا نلمح الخبرة من وجهة نظر خارج وجهة النظر التقليدية المعتادة، لأن وجهات نظر البشر تقع دائماً في مستوى مشوش بين الذاتية والموضوعية فيأتي هذا المستوى الرابع خارج صراع الذاتية والموضوعية. هذه المرحلة يصل لها البعض في لحظات نادرة ومن يحياها بشكل دائم يغدو من القديسين أو المبدعين النابغين، وإن كنا لا نمر بهذه المرحلة كثيراً إلا أنها التي تعطي معنى لأفعالنا وخبراتنا المعتادة، تأتي من خلال خبرة جديدة ـ استماع لموسيقى ملهمة – حب أو صداقة خارج روتين الحياة المعتاد .. الخ كما لو كان المرء قد صعد فوق قمة جبل للحظة وخلال هذه اللحظة رأى حياته من هذا المنظور الواسع غير المحدود، ومن خلال هذه الرؤية يمكنه تخطيط حياته ومستقبله .. إنها لحظة نرى فيها الحقيقة بلا معوقات سواء من ذواتنا أو من خارجنا.


Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: