قراءة في كتاب “بحث الانسان عن نفسه” لعالم النفس الأمريكي “رولو ماي” -5-

الجزء الثالث: أهداف التكامل
الفصل الخامس: الحرية والقوة الداخلية

ماذا سيحدث للإنسان لو سُلبت حريته تماماً وبشكل حرفي؟ يبدأ المؤلف هذا الفصل بقصة خيالية عن إنسان قام الملك بحبسه في قفص واستدعاء عالم نفس لتحليل سلوك هذا الشخص!! بدأ هذا الشخص أولاً بالاحتجاج والمعارضة لحبسه بدون سبب وكان رد الملك أنه في محبسه هذا يحصل على الأكل والراحة ولا يضطر للعمل من أجلهما، بمرور الوقت أصبح داخل الرجل حقداً مكبوتاً وأصبح احتجاجه صامتاً .. بعد فترة بدأ الرجل يناقش مع عالم النفس صدق ما يقوله الملك من عدمه، وأنه ربما على الانسان قبول القدر! بعد فترة أصبح الرجل راضيا تماماً واصبح يتكلم بأنه اختار طريقة الحياة هذه وأن للأمان قيمة عظيمة، وأصبح الرجل يشكر الملك على الأكل والمأوى، لكن بينه وبين نفسه كان حزيناً مكتئباً، وكان يردد دائماً جمل من نوعية “قسمة ونصيب”، بعد فترة اصبح وجه الرجل بلا تعبير محدد، ولم يستخدم في حواره كلمة أنا قط، لم يعد غاضباً ولا حاقداً ولا مبرراً، بل جُن تماماً!

* الحقد والاستياء ثمن الحرية المسلوبة:

الحرية لها قيمة هائلة عند الناس، ومن الطبيعي أن يكون الغضب والاستياء هو رد الفعل الطبيعي لسلب الحرية، قد يكون هذا الغضب مكبوتاً إذا لم تكن ثمة وسيلة للتعبير عنه، لكنه رغم كبته يظل موجوداً، هذا الغضب المكبوت يظهر في حالة تأخر دراسي، أو مرض .. ليس من الممكن أن يتخلى الإنسان عن حريته بدون أن يأتي شيء يعيد التوازن الداخلي .. هذا الشيء هو الحقد على سالبي الحرية، وهما الوسيلة الوحيدة عادةً للامتناع عن الإنتحار النفسي أو الروحي، لذلك نجد أن الحكومات الشمولية توفر دائماً لمواطنيها موضوعاً للحقد .. موضوع تخلقه الحكومة التي سلبت الحرية. 

الحقد والغضب والاستياء ليست أموراً طيبة في العادة لكن علامة النضج الحقيقي هي تحويل هذه المشاعر إلى مشاعر بنائية، ربما تكون مجتمعاتنا تتعامل مع الغضب على أنه شر أو شيء غير مقبول، لكن ذلك بؤدي إلى كبته وظهوره في مشاعر استياء وضيق؛ لذلك من الضروري أن نتعلم كيف نواجه مشاعر الغضب داخلنا، لأن تطور هذه المشاعر قد يؤدي إلى “رثاء النفس” حيث يحفظ المرء توازنه من خلال شعوره بانعدام الحيلة وأنه مغلوب على أمره.

والحقيقة أنه من المستحيل الوصول إلى حب حقيقي أو أخلاق أو حرية بدون التعامل مع كل مشاعر الغضب والاستياء الداخلية وتحويلها لمشاعر بناءة.

* ما ليس حرية:

نستطيع أن نفهم الحرية بشكل أوضح لو عرفنا ما هو “ليس حرية”؛ فالحرية ليست التمرد. التمرد خطوة مؤقتة للوصول للحرية، مثل تمرد الطفل على أبويه حين يتعلم أن يقول “لا” أو تمرد المراهق ضد أوامر الوالدين. في العادة يحدث خلط بين التمرد والحرية، الحقيقة أن الحرية تعتمد على الأمان المستمد أساساً من بنية التعاليم والقوانين والقواعد الخارجية، فإذا تم التمرد على هذه البنية فإن شعور الراحة يكون وهمي ووقتي.

الحرية أيضاً هي ليست عدم المسئولية او عدم التخطيط. فالتخطيط مطلوب من الجماعات الكبرى مثل النقابات أو الهيئات الصناعية –أو حتى الحكومات- بما لا يلغي حرية الأفراد في التفكير والابداع. وهذا يحتاج لمجتمع يحترم حرية أفراده.

* ما هي الحرية؟

الحرية هي قدرة الإنسان على الإنخراط في نموه الذاتي الخاص. القدرة على تشكيل النفس، وهي الجانب الآخر من الوعي بالذات. وعينا بذاتنا هو الذي يجعلنا نستلهم تجارب الماضي لتحسين المستقبل. الحرية والوعي بالنفس وجهان لعملة واحدة؛ فكلما قل وعي الإنسان بنفسه كلما قلت القدرة حريته وكلما تحكمت فيه الموانع والكبت والظروف “الطفلية” التي ننساها شعورياً ولكنها تتلاعب بنا لا شعورياً. والعكس صحيح فمع زيادة وعي الإنسان بذاته تزداد حريته ويزداد مدى اختياراته، والحرية هي شيء تراكمي، فالاختيار الذي يفعله المرء في حرية يعطيه حرية أكبر في الاختيار الذي يليه. وقد تكون هناك عوامل خارجية حتمية تحد من الحرية (مثل الظروف الاقتصادية والسياسية) ولكن تظل ثمة مساحة من الحرية يستطيع المرء بها أن يتعامل مع هذه العوامل الحتميية فالحرية إذن هي كيفية التعامل مع هذه العوامل. الحرية تأتي من قبولنا الاختياري لا الاجباري للواقع، والخطوة التالية لهذا القبول هو الفعل الايجابي البناء المبدع الذي يمكنه تغيير الواقع! فنحن لا نحارب الواقع لكن “نبني الواقع”! الحرية كما قال نيتشه هي القدرة على أن نكون ما نحن فعلاً.

* الحرية والبنية(النظام):

الحرية لا تظهر في الفراغ. فهي لا تعني الفوضى. بل الحرية تظهر في وجود بنية من القواعد والقوانين (نظام) الحرية تنمو في اطار التفاعل المستمر مع الآخرين؛ فالحرية لا تعني أن نعيش في عزلة. بل هي تعني تحديداً أن نواجه عزلتنا.

* اختيار “النفس”:

الحرية تتحقق من خلال (ممارستها) كل يوم .. يقول “جوته”: [نعم أنا ألتزم بهذا الرأي في حزم وإصرار .. فقد أكدته آخر نتائج الحكمة والإختبار .. فقط يكسب حريته ووجوده من يغزوهما يومياً في تكرار]، الخطوة التالية في الحرية هي “إختيار النفس” وهي عبارة للفيلسوف “كيركجارد” تعني أن يعي المرء ويؤكد مسئوليته عن نفسه ووجوده، وهي النقيض للاندفاع الأعمى أو الوجود الروتيني، تعني أن المرء يدرك موقعه في الحياة ويتقبل ويتحمل المسئوليات الناتجة عن وجوده هذا، وتعني قبول حقيقة أن على المرء أن يتخذ القرارات الحاسمة في الحياة بنفسه. يحدث للكثيرين ذوي الطموح أن يصلوا لنقطة يكتشفون فيها أن طموحهم غير ممكن أو بعيد المنال.. فماذا إذاً؟ هل يحدث إنتحار نفسي أي أن يعيش الإنسان وكأنه لا يعيش؟ أم أن يختار المرء أن يحيا من خلال تغيير نمط تفكيره أو من خلال معنى آخر للحياة؟ عندما يختار المرء بوعي أن يحيا يحدث شيئان: 1- تكتسب مسئوليته معنى جديد ويتقبل مسئوليته عن نفسه. ويشعر أنه موجود نتيجة لقرار اختاره، 2- النظام المفروض من الخارج يتحول إلى نظام داخلي للذات يقبل المرء النظام غير مجبور لأنه اختار في حرية أكبر ما يريد أن يفعله بحياته هو.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: