قراءة في كتاب “بحث الانسان عن نفسه” لعالم النفس الأمريكي “رولو ماي” -6-

الجزء الثالث: أهداف التكامل
الفصل السادس: الضمير المبدع


الإنسان كائن أخلاقي، لديه القدرة على الحكم الأخلاقي الصحيح حتى لو إختلت هذه القدرة فهي تبقى موجودة؛ لكنها تعتمد بشكل كبير على الوعي بالنفس. قام أحد العلماء بعمل تجربة على فئران بحيث كان يضع أمامها الطعام لكن الفار الذي ينقض على الطعام قبل مدة زمنية معينة كان يصاب بصدمة كهربية، تعودت الفئران على الصبر قليلاً قبل الأكل، لكن هذا التعود لم يستمر بزيادة المدة الزمنية، والخلاصة أن الفرق بين الفأر والإنسان، هو أن الإنسان يمكنه النظر للماضي والمستقبل (الخلف والأمام) فيتعلم من أخطاء وتجارب الماضي، ويمكنه التخطيط للمستقبل، بل يتعدى الإنسان ذلك لوضع نفسه مكان شخص آخر وتخيل أحاسيس واختيارات هذا الآخر، وتلك هي بداية الطريق للعلاقة مع الآخر، وإدراك العلاقة بين تصرفاته وتصرفاتنا والذوق العام.
تحديد ما يريده المرء في حياته هو بداية الطريق لتوجيه ذاته نحو أهداف حياته، وعلى اساسه يختار قيم حياته، ويسعى باستمرار لتأكيد هذه القيم والدفاع عنها، وقوة المرء الداخلية تعتمد على ايمانه هو نفسه بالقيم التي يحيا على أساسها، فكيف يمكن للإنسان أن يختار ويؤكد قيمه بشكل ناضج ومبدع؟
تختلف القدرة على اختيار القيم وتوكيدها بحسب المرحلة الزمنية التي يحياها المرء، ففي أزمنة الشك يعاني المرء كثيراً في اختيار قيمه وتوكيدها، بعكس فترات الإيمان بمعتقد عميق، ويتضح هذا من التاريخ حيث كانت فترات ازدهار الحضارات عندما كانت تجذب المعتقدات المشتركة القوى المبدعة معاً مثل اليونان في عهد “پريكليس” أو أوروبا في عصر النهضة Renaissance، لكن في عصور الإنتقال والتحول تصبح المعتقدات الراسخة ذات اشكال جامدة نمطية تمنع الحرية والابداع الفردي؛ وعلى الجانب الآخر تتحول الحرية والإبداع إلى نوع من التمرد والفوضى. وتصبح المشكلة الحقيقية هي التمييز بين الثوابت التي تشكل معتقداتنا و قيمنا، وبين القوالب الجامدة التي تمنع ابداعنا وحريتنا.

فكيف يولد الوعي الأخلاقي السليم وينمو في الإنسان؟

* الصراع الأخلاقي:

الإنسان لا يتجه نحو النمو الأخلاقي ببساطة مثلما تتجه الزهرة في نموها نحو الشمس؛ بل يكتسب الوعي الأخلاقي بعد دفع ثمن غالِ من الصراع الداخلي والحصر. القوالب السلطوية الجامدة هي التي نميل للبقاء فيها ونشعر فيها بالراحة دون عناء التفكير والابداع، لكننا نخشى تلك اللحظة التي نخرج فيها خارج هذه القوالب لنبدع شيئاً جديداً يعبر عن ذواتنا، لذلك يحدث الصراع الداخلي والحصر مع كل فكرة جديدة، ومع كل قرار جديد، هل يخنع المرء للوضع القائم المريح، أم يغامر بشجاعة ويخوض هذا الجديد? إنها فكرة الأشخاص الموجهين بالريموت كونترول، فهم يفعلون ما يتوقعه منهم الآخرون وليس ما يريدونه هم أنفسهم، طمعاً في البقاء في جو الجماعة المريح، في مثل هذا الجو يغيب معنى المسئولية الفردية ويغيب معنى الابداع، وتزيد قيمة الطاعة العمياء؛ ولكن ما المعنى الأخلاقي للطاعة العمياء؟ الطاعة البسيطة هي أن يسعة المرء لعمل كل ششيء كأفضل ما يكون، لكن التزام الطاعة العمياء يلغي فكرة الاختيار الحر للانسان، ويلغي المسئولية الفردية، والحرية في العلاقة بالآخر.
تتحدث قصة “ديستويفسكي” “الأخوة كرامازوف” عن الصراع بين الحرية الأخلاقية والمؤسسات، حيث عاد المسيح للأرض أيام محاكم التفتيش الأسبانية، وبدأ يشفي الناس في الشوارع، فتم القبط عليه ودخل المفتش رئيس المحكمة له في الزنزانة ليشرح الخطأ الذي قٌبض عليه بسببه، وهو أنه أعطى الإنسان حريته، وأعطاه حق تقرير مصيره وحرية الإختيار، ويقول المفتش أن هذا الحق لا يحتمله الإنسان لأنه لا يجب أن يعامل بحرية بل كأطفال أو خراف تقودهم سلطة موحدة، وأن الإنسان يفضل الراحة على حرية الاختيار والتمييز بين الخير والشر، ويبرر المفتش ذلك بأنهم حين يقررون للناس ما يفعلونه فأنهم ينقذونهم من الحصر والحيرة إذا رغبوا في الاختيار واتخاذ قراراتهم بأنفسهم! وينهي المفتش كلامه بأنه سيعدم المسيح لأنه عاد ليفسد عملهم في قيادة القطيع!
والخلاصة من قصة ديستويفسكي هو أن هناك عنصر مدمر في “الدين” يغوي الناس بأن يتركوا حريتهم وتفكيرهم الحر، في مقابل انتظار التعليمات بفعل هذا والبعد عن ذاك، وفي هذه الحالة يشعر الناس بالراحة لبعدهم عن صراع الاختيار واتخاذ القرار! فالمرء بعدما ينضج لا يمكنه أن يعود ببساطة ليرمي مسئوليته وقراراته على والديه لكنه يجد في الدين هذا الملجأ بسهولة.
إنها نفس الفكرة تتكرر في صراع الأب وابنه حين يبدأ يفكر بشكل مستقل، لينضج وينال حرية المسئولية الفردية، في مقابل أن يظل طفلاً يعتمد على والديه في كل شيء.

* هل الدين مصدر قوة أم ضعف؟

اعتقد “فرويد” أن الدين ما هو إلا وسواس قهري وتساءل: هل بؤدي الدين للتبعية (المرضية)؟ والسؤال بهذا الشكل ليس صحيحاً لأنه يجب أن يسأل في حدود الشخص ذاته كالتالي: هل يؤدي تدين شخص معين إلى كسر إرادته، وبقاءه في فترة الطفولة النفسية دون قدرة على الاختيار الحر وتحمل المسئولية؟
فالواقع أن من يرغبون في السلطة وتبعية الآخرين لهم غالباً مايستخدمون آيات أو معتقدات دينية لتبرير رغبتهم هذه، بينما الخانعون المحبين للراحة والقابلين للتبعية يستخدمون نفس الأفكار الدينية لتبرير خنوعهم وعدم قدرتهم على التغيير، فالدين هنا لم يكن إلا وسيلة لتحقيق رغبات ونزعات فردية، لكن هذا الاستخدام للدين يؤدي لحصر وصراع عند من يسعون للاستقلال والاختيار الحر.
نزعة التسلط ونزعة الخضوع هما وجهان لعملة واحدة، فكل من يخضع للآخرين هو يحاول أن يتسلط عليهم في نفس الوقت، لأن كل من لا يقدر على حكم ذاته ولا يقدر على أن تكون له ارادة حرة في اختياراته، يحاول أن يحكم في إرادة من حوله لتعويض هذا الخلل، وكلا النزعتين للتسلط والخضوع تتغذيان على الاعتماد الديني؛ و من النزعات الأخرى التي تعتمد على الدين نزعة “التعيين” أي أن يحصل الشخص على مكانته و قيمته من خلال تبعيته لنموذج مثال محبوب مثل رجل الدين، وهذه النزعة تمتد لعالم السياسة والرياضة والفن … الخ وخطورة هذا أن الإنسان لا يعرف نفسه في النهاية ولا يجد لنفسه شخصية مميزة .. مما يؤدي لمزيداً من الحصر والوحدة مع النفس. الاستخدام الاعتمادي للدين في كل صوره هو هروب من وحدة المرء مع نفسه، وعدم معرفته لنفسه. فلو لم تكن الرغبة في معرفة الله ذاته هي الدافع للتدين فلن ينفع الانسان تدينه بل سيؤدي به إلى مزيد من الوحدة مع نفسه وعدم تقبله لذاته.
يقول “سبينوزا”: “إن من يحب الرب حقاً لا يجب أن يتوقع حباً في المقابل” فمن يحب الرب حقاً لا ينتظر جائزة بل تكون جائزته هو حياته في الفضيلة. هي فكرة أن تحب الله أو أي شخص أو أي شيء لذاته وفي ذاته وليس لمنفعة، فتكون قيمة الحب المخلص هذا هي نفسها السعادة المبتغاة.
وهذا لا يعني عدم وجود السلطة سواء في الدين أو أي شيء آخر، وحين نتحدث عن السلطة فبالأولى نتحدث عن المسئولية الفردية الشخصية، فمن لا يستطيع أن يواجه مسئوليته الشخصية يتجنب ذلك بالخضوع ل”السلطة”، فالسلطة تتزايد وتتضخم بإبتعاد الأفراد عن تحمل مسئولياتهم الفردية.
وإجمالاً فإن الدين إيجابي وبناء طالما يدعم احساس المرء بقيمته وكرامته، و بالتالي لا يمكن أن نقول أن التدين أمر جيد بشكل مطلق، لكن بالنسبة للإنسان هل تدينه هروب من مواجهة ذاته، أم أن تدينه يشجعه على تحمل مسئوليته الاخلاقية وحريته؟ فالشخص الذي مدحه السيد المسيح في مثل الوزنات ليس الذي دفن وزنته (موهبته) في خوف، بل الذي استخدم وزناته في شجاعة وتاجر بها.

* الاستخدام المبدع للماضي:

يقول “جوته” الشاعر الألماني: “ماذا ورثت من أجدادك؟ امتلكه واجعله ملكك الخاص وليس ميراثاً”
إذا ما حقق الانسان نضجاً وحرية في حياته، فإنه يمكنه الحكم على ميراث الاجداد من تقاليد ليعرف الحكمة الكامنة فيه، فلو لم يحدث ذلك ستغلق التقاليد على الانسان في قوالب جامده تفقره ولا تثريه، قلا يمكن للمرء أن ينفصل عن ماضيه وتراث أجداده فهو كامن في روحه، لكن في الوقت ذاته لا يؤدي التراث لإلغاء حرية المرء وابداعه، والسؤال كيف يمكن أن يكون للمرء علاقة مع تراثه بدون التضحية بحريته ومسئوليته الشخصية؟

  1. كلما ازداد ادراك المرء لنفسه كلما اصبح اكثر قدرة على امتلاك ميراث الاجداد وجعله ملكه الخاص، بدون ذلك يحدث إما تقوقع في التقاليد يلغي شخصية الفرد، أو تمرد تام على التقاليد بدون منطق.

  2. إدراك ان الضمير ليس مجرد رقيب صارم لا يفعل إلا النهي، لكن الضمير مرتبط بالتراث والميراث الذي نتحدث عنه، كما أنه يعتمد على إدراك المرء لذاته، فالضمير المبدع هو ناتج عن قدرة المرة على الاختيار الحر بدون الانفصال عن التراث الذي يحمله في روحه.

* القدرة على التقويم:

حرية الاختيار الاخلاقي هي قمة التعليم الديني، فأن تختار تصرفاً أخلاقياً معيناً دون إجبار ودون أن تكون مجرد اتباع لأوامر ونواهي، فهذه قمة الصدق مع النفس، يخاف الكثيرون من هذه الحرية بأن الانسان قد يضل الحكم الصحيح للأمور، فيحكمونه في قوالب من الأوامر والنواهي الجامدة، لكننا نجد أن السيد المسيح نفسه في موعظته على الجبل حول الفضيلة من الممارسة العمياء للوصية إلى البحث في دوافع القلب الداخلية، فبدلاً من النهي عن القتل أصبح البحث عن دوافع الكراهية في القلب، فيكون إدراك المرء لنفسه هو بداية الطريق، وتحمله لمسئوليته وحريته في الاختيار هي الدافع المحرك لأخلاقياته.
يقول “ايكهارت” : “من لا يعرف نفسه، لا يعرف ربه”

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: