قراءة في كتاب “بحث الانسان عن نفسه” لعالم النفس الأمريكي “رولو ماي” -7-

الجزء الثالث: أهداف التكامل
الفصل السابع: الشجاعة فضيلة النضج

 تزداد ضرورة وقيمة الشجاعة كلما زاد الإتجاه داخل المجتمع لثقافة القطيع، والشجاعة منذ القديم هي الشيء اللازم للتحول من اعتمادية الطفولة إلى نضج الشخصية، يزداد الاحساس في مجتمعنا بعدم الحاجة للشجاعة بسبب الرغبة في تبسيط الحياة وجعلها اكثر نمطية، فلا يحتاج المرء للمغامرة بل يسير حسب نمط موضوع مسبقاً! والشجاعة مطلوبة في كل مراحل عمر الاإنسان، وهي ليست القدرة على مواجهة الأخطار الخارجية بقدر القدرة على مواجهة الإنسان لنفسه. 

 الشجاعة في أن يكون المرء نفسه:

 الشجاعة هي القدرة على مواجهة الحصر والقلق الناتج عن تحقيق الإنسان لحريته، في كل مرة ينتقل الإنسان من مرحلة إلى مرحلة أخرى في حياته بحيث يصبح أكثر اعتمادأ ومسئولية على نفسه، تظهر اهمية الشجاعة والحاجة لها، مثلما ينتقل الطفل من مرحلة الاعتماد التام على الوالدين في الطفولة المبكرة إلى الذهاب للمدرسة والتفاعل مع المجتمع الجديد بمفرده .. هذا موقف يحتاج لشجاعة، وتتوالى المواقف في حياة الإنسان كلما انتقل إلى مكان جديد أو من مرحلة الدراسة للعمل أو الدخول في الحب أو الارتباط أو أزمات المراهقة .. كلها مواقف فيها الانتقال من شيء مألوف إلى غير مألوف . لذلك فنقيض الشجاعة ليس الجبن، فالجبان لن ينتقل من مرحلة إلى أخرى إلا مكرهاً، إنما الشجاعة هي كيفية التعامل مع المرحلة الجديدة بما يحقق ذات الإنسان وليس بما يجعله نسخة من الآخرين، فنقيض الشجاعة هنا هو أن يكون الإنسان نسخة Copy من الآخرين. وعادة ما يتعرض المرء للسخرية والانتقاد عندما يحاول أن يكون نفسه وليس مايريده الآخرين، مما يجعل شجاعته موضع إختبار إما أن يكمل للنهاية أو أن يخضع ويصير نسخة من أفراد القطيع. هناك احتياج حقيقي للشجاعة الايجابية البناءة التي تساعد الإنسان أن يكون نفسه، وذلك يسبق القدرة على التضحية، فالتضحية بدون معرفة النفس لا معنى لها. والإبداع لا يتحقق بدون شجاعة، فالإبداع هو إدراك الجديد، ويحدث بعد التحرر من روابط الماضي الطفولية، بمعنى التحرر من المألوف لنوجد الجديد، وهو يعني تحقيق مستوى أعلى من إدراك النفس. وهذا يحتاج لشجاعة أكبر لأن الموهوب يواجه دائما تهديد لا شعوري بعدم تجاوز المألوف حيث الأفضل البقاء في المألوف بدون إبداع، وليس المبدععون فقط محتاجين للشجاعة بل كل إنسان في كل خطوة في حياته يسعى نحو تحقيق وإدراك ذاته، فهي تعني القدرة على التخلي عن المعتاد والمأمون والمضمون، ولو تم اتقانها على مستوى القرارات البسيطة اليومية فإنها تهيئ الانسان كي يكون شخصاً يعمل في حرية ومسئولية أكبر. هذا الخطر واجهه جالليليو حين اكتشف دوران الأرض حول الشمس بعكس الاعتقاد القائم بأن الشمس هي التي تدور حول الأرض، وواجه خطر محكمة التفتيش، وإضطر للتخلي عن آراءه في مقابل أن يحصل على الحرية الداخلية لمواصلة اكتشافاته، وهذه نقطة قد يفهم منها التناقض لكن من المهم أيضاً مع وجود الشجاعة للنمو في معرفة النفس أن يكون هذا النمو بطيئاً لا يؤدي إلى تدمير النفس، هي شجاعة البعد عن لعب دور البطولة والاستشهاد، وهي شجاعة معرفة القدرات الحقيقية للمرء، فلا يلعب دوراً اكبر من قدراته، ولا يرضى في الوقت نفسه بأن يكون مجرد نسخة من أفراد القطيع بلا كيان خاص.

يلاحظ هنا أيضاً أن النرجسية والكبر هما أعداء الشجاعة! فالنرجسية هي الحاجة القهرية للحصول على المديح باستمرار، لذلك النرجسي لا يغامر بمعرفة ذاته لأن ذاته هي التي يحصل من خلالها على مديح الناس فهو يسعى أن يحافظ عليها كما هي، وعدم ادراكه لذاته يوصله لاحتقار ذاته في السر لأنه يعلم أنه ليس هذا الذي يدعيه أمام الناس، ولا يملك الجرأة لمواجهة نفسه بذلك. فالنرجسية والكبر يدمران شجاعة المرء، لأنه يبدو كمن يتصرف كشخصية أخرى غير شخصيته الحقيقية، فعندما يتصرف المرء تصرف لا يوافق شخصيته سعياً للحصول على المديح؛ يظل هذا التصرف ذكرى حية على الاحساس بالضعف وعدم القيمة، وهو ما يمكن تسميته بالدعارة النفسية –عذراً للفظ لكنه مناسب تماماً للمعنى- حيث تكون المهانة هنا للنفس وليس للجسد لكنها أقسى وأصعب، لأن المرء أنه ساهم في تدمير نفسه بكامل وعيه. وهذا يؤدي في مراحل تالية إلى عدم ثقة المرء في امكانياته وقدراته التي يدعي أمام الناس بصوت جهوري أنه يملكها، فهو يعلم من الداخل أنه ليس ما يدّعيه عن نفسه، وهذا يشبه حلقة مفرغة فهو يساهم في تدمير نفسه باستمرار بدلاً من ادراكها و تطويرها.
الشجاعة المؤكدة في زماننا هذا هي قدرة المرء على الالتزام بما يعتقده ليس عن عناد أو تحدي أو تعصب بل ببساطة لأن مايعتقده المرء يعبر عن نفسه، فالشجاعة هي أفعال حرة وليست مجرد الاختيار الوحيد (لعدم وجود اختيارات أخرى)
وهنا نقطة مهمة، فعندما يبدأ الإنسان في التصرف بشجاعة كي يصير ذاته بعيداً عما يريده الاخرون أن يكونه، فإنه يواجه بالنقد حتماً بسبب مواقفه الحرة، هنا يبدأ الإنسان يدافع عن نفسه أمام هذه الانتقادات التي تأتي ممن سيطروا على حياته في السابق فيكون أشبه بالشعب المحتل الذي يسعى للحصول على استقلاله من خلال قوانين قوات الاحتلال! وهو ما يعني الاعتراف الضمني بشرعية الاحتلال! فيكون من يدافع عن حريته واستقلاليته وحقه في أن يكون نفسه، كمن يعترف ضمناً أن لهذا الاخر سلطة في حياته لذلك هو مضطر للدفاع عن تصرفاته امامه. فلو توقف المرء عند جزئية الدفاع هذه يكون كمن قطع نصف الطريق دون بلوغ الهدف، وهذه المرحلة تتطلب أقصى شجاعة ممكنة للإستمرار في الطريق دون الحاجة لتبرير الأحقية في أن يكون المرء مايريده لنفسه وليس مايريده الاخرون. “الشجاعة التي تجعل المرء يقبل محدوديته” فهو يدرك أنه محدود لكنه يثق في نفسه أنه سيكمل الطريق بالغم من هذه المحدودية، انها تعني الفعل الايجابي والحب والتفكير الحر والابداع بالرغم من أن المرء لا يعرف الاجابة النهاية، وبالرغم من انه يدرك أنه قد يكون على خطأ، لكن هذا القبول الشجاع للمحدودية وتحمل المسئولية هو الاساس المتين لمعرفة النفس وتطويرها نحو النضج.  

مقدمة للحب:

 الحب الناضج القادر على العطاء هو احد سمات الشخصية المتكاملة، وهو يتحقق بالتوازي مع باقي الأشياء التي تساعد المرء أن يكون نفسه. الحب ربما تكون أكثر الكلمات التي تستخدم بمعاني كثيرة جداً معظمها مزيف، لتخفي الدوافع الحقيقية في العلاقة التي تُسمى “حباً” ، الحياة الاجتماعية وما فيها من علاقات هي طبقة ظاهرية تخفي ضعف وضآلة الحب في هذه العلاقات؛ فالعلاقات تنبع من عديد من الدوافع وتشمل مجموعة مختلفة من الأحاسيس؛ فمثلاً الحب العاطفي الناضج بين الرجل والمرأة هو خليط بين شعورين: 1- الايروس (الرغبة الجنسية التي تجذب الرجل نحو المرأة والعكس) 2-  توكيد قيمة ومعنى الطرف الاخر من خلال العلاقة. وعلى كل فالأهم هو تسمية عواطفنا بأسمائها الحقيقية، مع ملاحظة أننا نتعلم الحب بشكل أفضل لما نتعلم من فشلنا في الحب! مع مراعاة أننا ورثنا قرون من التنافسية وحب التسلط والقمع أوصلتنا لما نحن فيه من شك وقلق من العلاقات وهي أشياء بالطبع لا تشجع على المغامرة للوصول للحب الناضج.

بنظرة أوسع فإن المجتمع الناضج يحتاج لعلاقات حقيقية مبنية على عواطف حقيقية “حب الجار والغريب .. الخ”، فإن كان هذه المشاعر مزيفة أو مشوبة بالقلق والشك؛ فإن المجتمع يصبح مريضاً بالتالي، وليس العلاج أن نقول للناس “حبوا بعض”! (أسلوب وعظ مباشر) ؛ فنتيجة ذلك المنطقية هي أن يسود جو من النفاق والخجل المزيف، وهما أكبر معوقين لتعلم الحب، وهذا أصعب من العداء الصريح؛ لأن العداء الصريح هو شعور حقيقي وأمين وواضح وبالتالي يمكن التعامل معه. وحل ذلك هو أن يسعى كل إنسان من خلال ذاته أن يجعل نفسه قادرا على الحب: من خلال اعادة اكتشاف نفسه.

 في ظل وجود تعريفات مختلفة مختلطة للحب؛ الكاتب يعرف الحب على أنه “الشعور بالسعادة في وجود شخص آخر والحرص على توكيد قيمته وتطوره مثلما أحرص على ذلك لنفسي” فعنصري الحب هما : قيمة الآخر، وسعادته ونموه في العلاقة، والقدرة على الحب تتطلب ادراك النفس، لأن الحب يتطلب القدرة على ان أضع نفسي مكان الآخر لأشعر مشاعره، الحب ايضا يتطلب حرية، فالحب اذا كان بسبب أن المرء لا يمكنه التصرف بدون الطرف الآخر هو حب مستعبد ولا حرية فيه ولا تفرقة فلا يجد فيه فارقا في السمات بين أي شخص يوضع مكان الآخر. وفي المجتمع علاقات تبعية عديدة توصف على أنها حب وهي ليست كذلك والأفضل أن تسمى بأسماءها الحقيقية (مثل الاعتمادية المتبادلة – التطفل المازوخي – العلاقة بين شخصين يشعران بالفراغ) .. هناك خلط شديد بين الحب والتبعية، فالحب فقط لغرض فك العزلة يحقق ذلك بثمن غال وهو زيادة خواء الفرد، فأنت تحب حقا بمقدار استقلاليتك، الأمر أشبه باعتمادية الطفل على أبويه حين ولادته تكون الاعتمادية أقصى ما يكون وتتضائل تدريجيا مع نموه ونضوجه وقدرته على الاستقلال الذاتي، فلو تم ايقاف هذا النمو وفرض نموذج “أبوي” يعطل هذا الاستقلال يتعطل النضوج، وتتشوه القدرة على الحب الذي سيكون وقتها نوع من الادعاء أو التبعية. يتكلم “إريك فروم” عن أن احد معوقات القدرة على تعلم الحب هي مبدأ البيع والشراء في الحب مثلاً أن يتوقع الاباء حب أبناءهم كنوع من “رد الجميل” على الاعتناء بهم؛ فهذا التوقع يؤدي إلى ادعاء الابناء بعض التصرفات تحت ضغط كنوع من “الدفع مقابل شيء” فهذا ليس حباً بل منزل مبني على رمال الشاطيء سرعان ما ينهار؛ فالقدرة على الحب تعتمد على القدرة على أن نكون مستقلين في ذواتنا، وأن نكون ناضجين قادرين على الاحساس بأنفسنا، يقول “سبينوزا“: “حب الرب لا يطلب حبا في المقابل” ويقول “جوزيف بندر“: “يتطلب العمل الابداعي أن يكون الفنان قادرا على الحب، أي أن يعطي بدون التفكير في مكافأة”. من المهم هنا عدم ربط الحب بالتضحية بالذات أو إنكار الذات فالحب كقدرة على العطاء يتطلب أن يكون لديك ما تعطيه، فمحاولة نشر فكرة الحب كنوع من اللاعدوانية بالغت حتى صارت صورة الحب أنه نوع من الضعف وهذا ليس صحيحاً.

لكن؛ ألا يفقد المرء نفسه في الحب؟ الحقيقة أن الحب كأبداع واعي هو من أعلى درجات تحقيق الذات فالمرء يجد نفسه في الآخر أو من خلال الاتحاد بالآخر، وتسري الفكرة ذاتها في كل أنواع الحب وليس بالضرورة النوع العاطفي منه. المهم هنا أن نسمي المشاعر بأسماءها الحقيقية وأن نكف عن اقناع أنفسنا أن الحب أمر سهل .. سنتعلم كيف نحب حين نزيل كل الأقنعة والادعاءات الكاذبة عن الحب. 

الشجاعة في أن ترى الحقيقة:

يقول “نيتشه” أن الخطأ نوع من الجبن؛ فسبب عدم رؤيتنا للحقيقة هو أننا لا نملك شجاعة كافية، والحقائق ليست أمور علمية أو دينية فقط، ثمة حقائق بسيطة نتساءل عنها مثل نوع الوظيفة المناسب لي، أو كيف تساعد طفلك في حل مشكلة معينة .. الخ؛ يعتمد نجاح المرء في الوصول لأفضل اجابة على درجة نضجه وشجاعته، وحتى في الاكتشافات العلمية فإن إيجاد الحقيقة يعتمد على قدرة الباحث الداخلية على الاستكشاف والشجاعة. وهو ما عبر عنه “شوبنهاور” في خطاب لجوته قال فيه أن معضلة إيجاد الحقيقة ليس سببها اننا لا نبحث عنها بل لأن النية تكون غير خالصة أو يكون لدينا رأي مسبق أو عن طريق استخدام حيل متعددة للوصول لنتيجة معينة، إن بعضنا أثناء بحثه عن الحقيقة يبدو مثل “أوديب” أثناء سعيه الشاق لمعرفة مصيره حتى عندما خمن الرعب الذي ينتظره بينما البعض الاخر يبدو مثل “جوكاستا” أم “أوديب” التي كانت ترجوه أن لا يبحث.

 والأمر هنا لا يعتمد على القدرات العقلية بل على الشجاعة الذاتية أو قدرة الانسان على إدراك نفسه، هذا سلوك اخلاقي يتطلب الشجاعة وهو شيء يجب أن نطوره لنحقق ذواتنا. و”شوبنهاور” هنا يشير لمثال “أوديب” في سعيه المحموم نحو الحقيقة، وأمه (زوجته) بصفتها الاغواء الذي لا يريد لنا أن نرى الحقيقة؛ قصة أوديب هي مجرد مثال لبحث كل شخص عن الحقيقة مجرد السعي لذلك هو مخاطرة برؤية ما قد لا نرغب فيه، فهو يتطلب نوع خاص من العلاقة بالذات والثقة بالقيم المطلقة بحيث يخاطر المرء باقتلاع نفسه من معتقدات وقيم معاشة. يولد الاطفال غير عارفين للكذب وساعين للحقيقة لكن الجو المحيط بهم سرعان ما يعلمهم غير ذلك للاسف ويجعلهم يتماهون (يتشبهون) بأبويهم لذلك فالسعي نحو الحقيقة هو شجاعة العودة نحو البراءة الطفلية التي تسعى للحقيقة بكسر الحاجز “الأبوي” النفسي. وهكذا كلما حاول المرء ابعاد نفسه عن رؤية الحقيقة وقع في وهم أكبر وهو ادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة، وإدعاء انها لم تتأثر بمصالحه وأهواءه الشخصية. القدرة على رؤية الحقيقة تسير جنبا إلى جنب مع النضج العاطفي والاخلاقي عندما يقول المرء أنه يرى الحقيقة بهذه الطريقة (النضج) يكون أقرب للحقيقة فعلا لأنه يتكلم عما اختبره وليس ما قيل له، وهذا يفتح بابا للتواضع فإذا كان الماضي مشوه جزئياً إذن عنصر عدم الكمال موجود وهذا لا يضعف ايمان المرء لكن يفتح الباب لمعرفة جديدة واكتشاف حقائق جديدة.

Advertisements
Comments
One Response to “قراءة في كتاب “بحث الانسان عن نفسه” لعالم النفس الأمريكي “رولو ماي” -7-”

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: