قراءة في كتاب “بحث الانسان عن نفسه” لعالم النفس الأمريكي “رولو ماي” -8-

الجزء الثالث: أهداف التكامل
الفصل الثامن: الإنسان القادر على التسامي بالزمن

قد يبدو الكلام عن بحث الانسان عن نفسه ونضجه شيئاً مرفهاً بالنسبة لما يعانيه المرء من من ضغط يومي في حياته أو ما يعانيه في بلده من مشاكل أو حروب أو اضطرابات مثلاً، يمكن أن نعتبر الوقت غير مناسب للبحث عن الذات أو أننا نعيش في زمن غير زمننا.

علاقة الانسان بالزمن :

احد اهم الخصائص المميزة للبشر هي القدرة على الوقوف خارج الزمن وتخيل المستقبل أو الماضي، وبالتالي يتمكن الانسان من توقع احداث معينة ويضع خطة للتعامل معها، أو يتذكر أحداث ماضية ليستفيد منها في موقف مشابه حاضر، وتعتبر هذه القدرة على “النظر للامام والخلف في الزمن” جزءاً من مقدرة الانسان على ادراك نفسه وهي صفة لا تتوفر في النباتات والحيوانات.

والانسان لا يعيش وفقاً “للساعة” فقط فما يعنيه الحدث أهم مما استغرقه من وقت، والكاتب يذكر مثالا عن شاب أمضى ساعة في المترو ليصل عمله وأمضى 8 ساعات في العمل وامضى ساعتين في تدريب و10 دقائق في محادثة حبيبته تليفونيا، فبالتأكيد هذه العشر دقائق أهم من الساعات الاخرى وحين ينام هذا الشاب ستؤثر العشر دقائق في احلامه بأكثر من الأحداث الأخرى.

فالزمن عند الانسان ليس مجرد مرور الوقت لكنه الخبرة التي لها اتصال مباشر باحلامه ونموه ومشاعره، فالرجل البالغ قد يتذكر أحداث مرت به في طفولته بدقة شديدة في حين ينسى نصف ما مر به بالامس، فالذاكرة ليست أثار السنين بل هي حارس لأهم تفاصيل أحلام الانسان ومخاوفه، والذاكرة هي دليل اخر على علاقة الانسان “الكيفية” بالزمن.

ومع ذلك يمكن للانسان التحكم بشكل “كمّي” في الزمن كلما كان اكثر ادراكا لنفسه وكلما كان يمكنه استخدام الزمن بشكل بنّاء؛ لكنه لو عمل في قهر وبلا اقتناع سيكون عبدا للساعة، كلما كان الانسان واعياً باتجاه حياته ومشاعره كلما تحرر من عبودية الزمن وصار أكثر حيوية والعكس صحيح فعدم ادراك الانسان لنفسه واتجاه حياته يجعله عبداً للساعة وبالتعبير الانجليزي Time-served الذي يعني أيضا تمضية فترة العقوبة في السجن!

مرور الزمن هو أمر مرعب للكثيرين، وقد يشعر البعض بأن الزمن هو عدوه، ويظهر ذلك بوضوح في الخوف من التقدم في العمر، هذا الخوف يعبر عن الوعي بالزمن الذي يجعلهم يتسائلون هل هم أحياء ينمون أم يحاولون فقط تجنب التعفن الاخير! يقول كارل يانج “المرء يخاف من التقدم في العمل بقدر عدم قدرته على الحياة الآن”، وخوف الناس من الزمن فيه خوف من العزلة أو الخوف من الملل والفراغ، فلو أحس الانسان بأن الأيام تمر والفصول تتعاقب ولا يحدث جديد في الحياة فإما أن يلغي احساسه ووعيه أو يعاني الملل المؤلم والفراغ.

لذلك يلجأ البعض لفكرة “تأجيل الحياة” وهي أن كل اخطاء الزمن الحاضر سيتم حلها في المستقبل (أو الآخرة) وهذا تستخدمه بعض الانظمة لإلهاء شعوبها عن مشاكل الحاضر (أفيون الشعوب). وقد يحدث هذا بشكل أبسط عندما يعد المرء نفسه بتحسن الاحوال حين يحدث شيء ما في المستقبل (تخرج – عمل – زواج .. الخ)، والأمل في حد ذاته شيء جميل إذا كان مصدراً للطاقة الايجابية وليس مجرد مخدر عن مشاعر الحاضر المؤلمة.

نفس فكرة الهروب من الزمن بالنظر للمستقبل تحدث على مستوى الهروب للماضي “زمان كانت الامور احسن في كذا وكذا” ، وهذان النوعان من الهروب الزمني يظهران في الحنين لجنة عدن (الماضي) أو الجنة في الآخرة (المستقبل) أو السعي لاقامة مدينة فاضلة (يوتوبيا) على الأرض.

فماذا اذن عن الطرق البناءة للتعامل مع الزمن؟

يلاحظ أنه حين تزداد حيوية المرء واقباله على الحياة يكاد لا يشعر بالوقت والعكس صحيح حين يفتقد المرء الحيوية يمر الوقت بطيئا ثقيلا بشكل ممل ومؤلم، فالتعامل الحيوي البناء مع الزمن هو أن يعمل الانسان عملا مبدعا يحقق الساعدة للناس كما جاء في رائعة “جوته” عن “فاوست” حين يلاحظ فاوست في النهاية سعادة الناس بسبب عمله الابداعي يشعر فجأة بشعور لم يشعر به من قبل “لحظة السعادة الابدية” ويطلب من هذه اللحظة أن تتجمد وأن تبقى وتدوم ولا تهرب .. قفي تجمدي تأخري أنت جميلة جدا!

كيف يجد المرء هذه اللحظة الهاربة؟!

يجب أن نتعلم أن نعيش واقع اللحظة الحالية لأنها كل مانملك بينما الماضي والمستقبل في هذه الحالة يضيف للواقع الحاضر ويضيئه، والانسان ينظر لنفسه في واقع اللحظة الحالية وهي لحظة الشعور الاكثر واقعية ولا ينبغي أن نهرب منها.

العالم النفسي “أوتو رانك” توصل في أبحاثه إلى أن كل ما هو مهم وذو دلالة في ماضي المرء يظهر في علاقاته الحالية، ويظهر ذلك بشكل أقوى من خلال أفعال المرء أكثر مما يحكيه عن هذا الماضي.

والحقيقة أن ليس سهلاً أن نعيش في الواقع الحاضر، لأن الأمر يتطلب درجة عالية من إدراك الذات لكي نعيش اللحظة الحالية، كلما قل وعي المرء بنفسه بصفته فاعلاً في الاحداث، أي كلما قلت حريته كلما قل إدراكه للحاضر المباشر، ويتصرف كما لو كان بعيداً تماما عما يفعل، وكأنه يعيش في غيبوبة أو في حلم، ويوجد حاجز بين نفسه والواقع الذي يعيشه.

كلما ازداد ادراك المرء لذاته كلما كان اقدر على توجيه ذاته وكلما كان اكثر حيوية؛ أي تزداد استجابته للحظة الحاضرة، يمكن تنمية ادراك الذات هذا عن طريق سؤال أنفسنا باستمرار عن “ماذا نحس في هذه اللحظة وما هو الحدث الاكثر أهمية على المستوى الشعوري؟” ، ومواجهة اللحظة الحالية تمثل نوعاً من الحصر حيث أنه مواحهة لشيء لا مهرب منه، ولابد إزاءه من فعل شيء ما، وهذه المواجهة تتطلب قدر عال من المسئولية واتخاذ القرار، فالشخص لا يمكنه فعل شيء حيال الماضي، ومايمكن فعله للمستقبل قليل مقارنة بما يملك أن يفعله في اللحظة الحاضرة، قد يكون لذيذا الاستغراق في الماضي أو الحلم بالمستقبل، لكن تظل مواجهة اللحظة الحالية هو الشيء الذي لا يجب أن يلهينا عنه الماضي أو المستقبل. فأفضل طريقة لضمان المستقبل هي مواجهة الحاضر في شجاعة.

وعليه يمكننا تعريف “الحياة الأبدية” (أو الآخرة) بشكل أرقى من المعنى الشائع على أنها مجرد وقت لا ينتهي؛ فالأبدية هي التسامي بالزمن، هي معنى وجوهر الزمن، هي وسيلة لصنع علاقة مع الحياة الحاضرة، وليست مجرد غد بلا نهاية! وهذا ما عناه السيد المسيح بقوله “هَا مَلَكُوتُ اللهِ دَاخِلَكُمْ” (الكتاب المقدس – انجيل لوقا 17: 21) بمعنى أن خبرتك بالأبدية تجدها في كيفية صنع علاقة مع كل لحظة تمر بك.

وبالتالي اللحظة الحالية ليست مجرد تحرك عقرب الساعة بل هي دائما حبلى، وعلى المرء أن يخوض تجربة التعمق في ذاته، أن يتقصى فكرة عشوائية وردت بذهنه وسيجد ثراء غير محدود من خلال ما تستدعيه الفكرة، إن ومضة وعي فائقة قد تستغرق لحظات لكن لكي نتصورها بشكل كامل نحتاج لوقت من التفكير العميق وهذا ما تعنيه اللحظة الحبلى.

في ضوء الأبدية:

أهم خبرة تحملنا خارج الزمن الروتيني هي فكرة الموت، حين نفكر بواقع احتياجاتنا وما تسببه هذه الاحتياجات من حصر نفسي، بينما عندما يواجه الانسان فكرة الموت يتخلى عن هذه الاحتياجات، حيث ان الخضوع للزمن يؤدي للتواءم معه بشكل ما يفقد الانسان انطلاقه وابداعه، بينما امكانية الموت تطلق العنان وتحررنا من قيود وأغلال الزمن، فنحن لن نظل إلى الأبد فلم لا نفعل أفضل ما يمكن فعله الآن؟ الحياة في اللحظة الأبدية تعني اتخاذ القرار في حرية ومسئولية وفي ادراك للذات ولقدرات المرء الفريدة المميزة.

في كل عصر:

يقودنا كل ما سبق إلى أن العصر الذي نعيشه سواء كان في القرون الوسطى أو قبل الميلاد أو الثورة التكنولوجية فهذا لا يؤثر على ادراك الفرد لذاته وسعيه للوصول للحرية الداخلية، نحن جزء لا يتجزأ من العصر الذي نعيشه بكل ما يحمله من صراعات، لكن لا يوجد مجتمع متكامل يمكنه أن يؤدي دور الفرد أو يؤثر على قدرة الفرد على ادراك ذاته ويحله من القدرة على اتخاذ قرارات من اختياره في مسئولية. الانسان بحاجة لاكتشاف ذاته والتصالح معها، نعم توجد ايجابيات وسلبيات في كل عصر؛ لكن على الانسان أن يصل إلى ادراكه الخاص بذاته وأن يفعل هذا بمستوى يتسامى بالعصر الذي يعيش فيه.

تنطبق نفس الفكرة على الفترة العمرية للانسان، فالنضج لا يعني سن معين يجتازه الانسان، فقد تجد طفلا اكثر شخصية من بالغ عصابي، فالنضج هنا هو صدق المشاعر والقدرة على اتخاذ القرار والاختيار في أمور تناسب هذه المرحلة العمرية، وبالتالي لا معنى لأن يقول شخص في العشرين سأعيش حياتي لما أبلغ الثلاثين، أو يقول شخص في الخمسين لقد ضاع شبابي (وغالبا يكون نفس الشخص فمن يتحسر على شبابه كان يؤجل حياته لما كان شاباً)

إن تجربة إدراك الذات هي ميلاد جديد؛ هي تجربة الخروج من رحم (الممنوعات -المحرمات)؛ إنها التقدم من المعتاد إلى غير المعتاد إلى الوعي المتسع، بحيث يتكامل باستمرار مع الاخرين، ويكون فعله هذا انعتاق من عبودية الزمن، إلى التصرف كإنسان حر يتسامى بالزمن؛ انسان يحيا عبر ما يختاره، فالشاب الذي يهب حياته من أجل هدف نبيل هو شخص وصل لدرجة من الحرية والنضج تمكنه أن يواجه الموت في شجاعة بعكس من يصرخ على فراش المرض وهو في الثمانين من عمره طالباً الوقاية من الواقع [ملاحظة: المؤلف قال هذا الكلام حرفيا والكتاب تم تأليفه في الخمسينات !!]

هدف الإنسان هو أن يحيا كل لحظة في حرية ومسئولية وصدق؛ فالشك السائد في عصرنا يعلمنا أن المهم دائما هو الأمانة والصدق والتكامل والشجاعة والحب في كل لحظة من لحظات كل علاقة؛ إنها صفات مثالية لا يمكن تحقيقها تماماً لكنه تعمل كأهداف مبتغاة تعطي معنى لحركتنا نحو التكامل.

[نهاية الكتاب]

Advertisements
Comments
One Response to “قراءة في كتاب “بحث الانسان عن نفسه” لعالم النفس الأمريكي “رولو ماي” -8-”

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: