الكنيسة بين الإصلاح والرجعية

تمهيد :
هذه التدوينة تختص بالشأن الكنسي القبطي الأرثوذكسي، أعتذر لك إن كنت غير مهتماً بهذا الشأن ويمكنك أن تطلع على المواضيع الأخرى المتنوعة بالمدونة.

ما تحتويه هذه التدوينة من نقد لسياسات وتصرفات قيادات بالكنيسة ليس هجوماً على الإيمان المسيحي أو العقيدة المسيحية ومن يستخدم كلامي في غير موضعه للتشهير بالعقيدة المسيحية يعرض نفسه للمسائلة القانونية ويتحمل هو وحده مسئولية تأويلاته.
____________________________________

أرجو عزيزي القارئ أن تشاهد هذا الفيديو بدءاً من الدقيقة 56

 

في هذا الفيديو (همسة حب 2) يتحدث البطريرك الراحل عن ذكرياته وأهمية كلام الأنبا شنودة في الثلث الأخير من الفيديو الذي أركز عليه في هذه التدوينة هو أنه يتحدث عن فترة مهمة من تاريخ الكنيسة، وهي فترة ربما لا نجد لها مصادر كافية وهي منذ رسامة الأنبا شنودة أسقفاً للتعليم حتى نهاية الستينات. حين رأيت هذا الفيديو للمرة الأولى دهشت لما يحكيه الأنبا شنودة بنفسه عن هذه الفترة، وسوف ألخص ما يحكيه الأنبا شنودة (من وجهة نظره) في السطور التالية، يليه مقارنة تاريخية للأحداث التي حكاها الأنبا شنودة بنفسه، لكن أرجو ألا يغنيك هذا عن مشاهدة الفيديو لأن التلخيص لا يقدم صورة كاملة:

*  اختيار البابا كيرلس للأب أنطونيوس السرياني (الأنبا شنودة) أسقفا للتعليم والأب مكاري السرياني (الأنبا صموئيل) أسقفاً للخدمات. (ق 56)
*  الأنبا شنودة يبدأ يعلم بنفسه من خلال اجتماع على السبورة ويبدأ بمنهج عن أقوال الأباء. (ق 58)
*  قيام مظاهرات ضد الأنبا صموئيل بسبب دوره في مجلس الكنائس العالمي! وتكليف الأنبا شنودة بزيارة الكنائس والوعظ فيها لتهدئة الاحتجاجات. (ق 59)
*  زيادة المحبين والمترددين على اجتماع الأنبا شنودة باستمرار. (س 1:02)
*  الأنبا شنودة يعتبر تعدد مدارس التعليم في خدمة مدارس الأحد انقساماً (بين الأب متى المسكين، و بين مدارس الأحد بالجيزة “الأب مكاري والأب صليب”) (س 1:03)
*   الأنبا شنودة يتكلم عن تجاهله السلبيات وتركيزه على القيام بعمل ايجابي ، ويتكلم عن “مشيري السوء” الذين يهيجون البابا كيرلس ضده، وكأنه سيستولي على الكنيسة (س 1:04)
*   زياراته المتعددة لابروشيات الصعيد للوعظ فيها وحضور أساقفة بعض الابروشيات المجاورة [ابوتيج-منفلوط-اخميم-قنا] وعودته للقاهرة بين هذه الزيارات (س 1:06)
*   “مشيرو السوء” يقولون للبابا كيرلس أن الأنبا شنودة يجمع الأساقفة ضده (س 1:07)
*   التضييق على الأنبا شنودة في عظته الأسبوعية، افتعال أزمة أن سقف القاعة آيل للسقوط، وقيامه بعمل العظة في حوش الكلية الأكليريكية (س 1:08)
*   جمع تبرعات لشراء كراسي للعظة الأسبوعية، واستمرار التضييق عليه من خلال قطع الكهرباء والمياه .. الخ  (س 1:15)
*   ايقاف الصرف على الكلية الأكليريكية ومنعه من الوعظ في الأبروشيات (س 1:17)
*   الأنبا شنودة يكتب مقالاً بمجلة الكرازة يعلن فيه عودته لحياة التوحد (نوفمبر 1967) ، ثم اعتكافه بالمغارة(س 1:18)
*   اجتماع المجمع المقدس برئاسة البابا ويقرر أن اساقفة العموم هم سكرتارية للبابا يضعهم حيث يشاء [إلغاء الاختصاصات] (1:19)
*   كلامه عن خطابات متبادلة بينه وبين محبين حول اعتكافه وقوله الرمزي أن المياه غطت الأرض وغطت القمم العالية (س 1:21)
*   مفاوضات لإنهاء الوضع وعودته في مناسبة عودة رفات مارمرقس (1968) وتقرر أن تكون العظة الأسبوعية بالتبادل بينه وبين الأنبا أغريغوريوس (س 1:22)
*   البابا يأمره بأن يدع اجابات الاسئلة للأنبا أغريغوريوس ظنا أن ذلك سبب زيادة الحضور في عظات أنبا شنودة؛ ثم توقف أنبا أغريغوريوس عن الوعظ! (س 1:23)
*   الانبا شنودة يبدأ يعظ في مبنى الكاتدرائية الكبرى، وتحسن علاقته بالبابا لكنه يظل ممنوعا من السفر للاسكندرية أو الابروشيات ولا كنائس القاهرة ولا يعظ إلا في الكاتدرائية
*   الأنبا شنودة يقول أن المرتب كان ممنوعاً عنه أيضاً، وكان يعيش على معونات محبيه

نأتي للمقارنة التاريخية التي أضعها في النقاط التالية:

1- تحدث الأنبا شنودة عن مظاهرات قامت ضد الأنبا صموئيل وبغض النظر عن التفاصيل والأسباب فما يهمنا هو أسلوب مواجهة المظاهرات حيث كلفه البابا كيرلس بالوعظ في الكنائس لتهدئة الناس كان هذا هو الأسلوب المتبع وقتها في ستينات القرن الماضي قبل أن يتطور الزمن في عهد بابوية الأنبا شنودة نفسه ليصبح الأسلوب المتبع هو استخدام أمن الكاتدرائية والكلاب البوليسية في المظاهرات المشابهة!

أمسية غضب بالكاتدرائية
مصدر كنسى : استعنا بـ”الكلاب” لتأمين الكاتدرائية
أمن الكاتدرائية يطلق الكلاب على الأقباط المعتصمين
اليوم السابع | فض اعتصام الأقباط بالكاتدرائية وخروج الأنبا بولا

متظاهرو الكاتدرائية يتقدمون ببلاغ للنائب العام ضد الأنبا بولا و)أمن الكنيسة)
بالفيديو كلاب الحراسة بالكاتدرائية تنقض على المعتصمين المطالبين بالزواج الثاني ويعلنون اعتصامهم حتى عزل الأنبا بولا
خربشات على وجوه كالحة

2- يتحدث الأنبا شنودة عن تعدد مدارس التعليم في مدارس الأحد واعتبره “انقساماً” بين من يتبعون الأب متى المسكين وبين من يتبعون مدارس الأحد بالجيزة، من الملاحظ أن الأنبا شنودة يتحدث عن عام 1962-1964 تقريبا والأب متى المسكين كان مغضوباً عليه في هذه الفترة من البابا كيرلس وكان يعيش معزولاً في صحراء وادي الريان!
تعليقي الأول هنا هو على ما اعتبره البابا الراحل انقساماً أراه تعدداً في أساليب التعليم وهو أمر طبيعي ومتوقع في ظل الثراء الفكري والنهضة الروحية التي كانت موجودة بالكنيسة وقتها، بل تلاحظ أن الأنبا شنودة اشتكى في الفيديو من عدم وجود من اعتاد العمل معهم حين كان يخدم في مدارس الأحد! إذن هو أيضاً كان له أسلوبه المتميز في التعليم وعطله هنا عدم وجود من يعرفهم ليطبقه من خلالهم في مدارس الأحد، من المنطقي والمتوقع أن تتعدد أساليب التعليم في مدارس الأحد بين أسلوب ألأنشطة والخدمات، والأسلوب الروحي التعبدي، وأسلوب تعليم الفضائل، وأسلوب التعليم العقيدي .. الخ فحين تكثر القمم التعليمية تكثر الطرق التي يمكن أن توصلنا للهدف الواحد، وهذا كان موجوداً في أباء الرهبنة أنفسهم فتجد اختلافاً في الأسلوب الرهباني بين الأنبا مقار والأنبا باخوميوس والأنبا أنطونيوس .. كل له منهجه وأسلوبه ولا يتعارضون مع اطار الرهبنة الأساسي نفسه، والأمثلة المشابهة كثيرة؛ ومع تطور الزمن طبعا وفي عهد باباوية الأنبا شنودة نفسه تم عمل ثورة على هذا التعدد فصار الأنبا شنودة وحده هو المرجعية في كل الأمور، وصار أسلوبه وحده هو الأسلوب المتبع للتعليم، ومع انتشار ظاهرة فرح العمدة تم بشكل تلقائي اقصاء كل أصحاب الأساليب الجديدة والأفكار المبتكرة التي لا تسير حسب أسلوب الأنبا شنودة!
النقطة الثانية هنا هي أن الأب متى في وقت كان مغضوباً عليه من القيادة الكنسية لم يمنع ذلك استخدام أسلوبه وتعاليمه داخل الكنيسة بل أن كتبه كانت تطبع وتوزع في تلك الفترة، هذه نقطة مهمة لاحظتها في ذلك العصر أن الاختلافات الشخصية لم تكن تمنع نشر الفكر، كان هناك اختلافا بين البابا كيرلس والأب متى المسكين فلم يمنع ذلك نشر فكر الأخير، وكذلك في خلافه مع الأنبا شنودة سمح له بالوعظ وسمح له بمنبر إعلامي “مجلة الكرازة” .. هذا كان في سالف الزمن قبل أن ندخل القرن الجديد بفكر اقصائي لكل من يختلف مع البابا شنودة حيث يتم منع كتبه وتشويه سمعته بل وربما استخدام المجمع المقدس لحرمانه من شركة الكنيسة !

المجمع المقدس يقرر بالإجماع فصل حبيب بباوي من الكنيسة بسبب هجومه علي شنودة
الكنيسة وكتب أبونا متى

3- “مشيرو السوء” حسب التعبير الذي استلهمه الأنبا شنودة من الكتاب المقدس يقصد بهم “أشخاص” حول البابا كيرلس تمكنوا من تعميق الخلاف بينهم، الحاشية بمعنى أدق، ويذكرني ذلك بالمقولة المأثورة “هو كويس بس اللي حواليه فاسدين”، فهل تعلم الأنبا شنودة الدرس ممن دسوا وكادوا ضده لدى القيادة الكنسية؟ أم أنه حين أصبح بطريركاً سار في نفس المنهج؟ من هم هؤلاء الأشخاص الذين يملكون تأثيراً على البابا كيرلس؟ علمانيون أم كهنة أم أساقفة؟ وهل البابا كيرلس يحكم على الأمور بشكل سماعي؟ كرر نفس الأسئلة مع البابا شنودة نفسه .. سلوك الأباء والقيادة الكنسية مع الشعب رسخ لديهم فكرة عصمتهم من الخطأ و “حكمتهم” الفائقة في فهم الأمور؛ بينما هنا الأنبا شنودة نفسه في حواره يقول عكس ذلك فما أسهل التأثير عليهم من خلال الحاشية/مشيرو السوء، وما أسهل تحريكهم ضد أي شخص حسب التأثير والنفوذ. كم شخصاً شاهد هذا الفيديو للبابا شنودة ووصل للاستنتاج ذاته؟

4-  نأتي لجزئية مهمة وهي التضييق على الأنبا شنودة في عظته الأسبوعية (بسبب مشيري السوء واستخدامهم لفكرة زياراته للصعيد وحضور الأساقفة لنهضاته مستعيدين فكرة تجمع الاساقفة ضد الأنبا يوساب في 1956). بدأ ذلك التضييق بتحايل مهندس الكاتدرائية (الذي لمح الأنبا شنودة إلى أن البابا كيرلس وراءه)، ثم ما تلاه من قطع الكهرباء والمياه، ومحاولات الأنبا شنودة نفسه ومثابرته لمواصلة العظة من خلال شراء الكراسي والكلوبات .. الخ، فكيف كان يضيق الأنبا شنودة على من يغضب عليهم وهو بطريرك؟ هل كان يسمح لهم بجمع التبرعات لشراء كراسي والوعظ في حوش الكاتدرائية؟ هل كان يسمح لهم باستخدام مبنى الكاتدرائية الجديدة للعظة؟ هل كان يسمح لهم بمواصلة نشاطهم الاعلامي في منبر مثل “مجلة الكرازة”؟ هل كان يسمح لهم بتلقي المعونات من محبيهم حين يعاقبهم مادياً؟
أنا لم يعجبني التضييق على الأنبا شنودة بهذا الأسلوب (التحايلي) وكما قال هو نفسه كان من الأفضل أن يأمره البابا كيرلس صراحةً بعدم الوعظ، لكن ماذا استفاد الأنبا شنودة نفسه من هذه التجربة حين أصبح بطريركاً؟ هذه هي النقطة الجوهرية هنا. تمتع الأنبا شنودة برغم هذا الغضب “الكيرلسي” باستمرار علاقته مع محبيه وبأحتفاظه بمنصب كنسي مرموق ومنابر مهمة للتعليم (العظة الأسبوعية-مجلية الكرازة-الكلية الأكليريكية) ، وهذا يجعلنا نتساءل عن الذين عاقبهم من الكهنة والأساقفة، وكيف كان يتم التعامل معهم؟ فحين تصل الأمور لمنع الصلاة على كاهن مثل الأب ابراهيم عبد السيد لمجرد معارضته للبابا؛ يجب أن نتساءل عما استفاده الأنبا شنودة من تجربة التضييق تلك !

سوسن ابراهيم عبد السيد : أبي لم يكن مهرطقاً

______________________________________________________________

كان جيل الأب متى المسكين وتلاميذه مثل الأنبا شنودة والأنبا صموئيل ومعاصريه مثل الأنبا أغريغوريوس، كان مُعتبراً أنه جيل الإصلاح في الكنيسة القبطية، واعتبرت لائحة 1957 لانتخاب البطريرك محاولة من الدولة لإقصاء التيار الاصلاحي عن امساك زمام الأمور بالكنيسة، فلما جاء الأنبا شنودة بطريركاً في نقطة من الزمان ظن الكثيرون أنها نقطة انطلاق للكنيسة لإصلاح أخطاء الماضي التي عانت منها كنيسة الأسكندرية، لكن -ويا للعجب- كانت نقطة ارتداد ونكوص وتخلف شديد؛ صارت بعدها الكنيسة متجمدة في فكر شخص واحد، وصار لـ “مشيري السوء” فيها نفس الدور القديم ما لم يكن أسوأ، وتم تسطيح عقول الشباب القبطي بابعاده عن التعمق الفكري والقراءة وفرض الوصاية على العقل وجعله قابلا لفكرة الخوف من الأفكار، ناهيك عن استخدام الارهاب السلطوي من خلال المحاكمات الكنسية والحرمان من أسرار الكنيسة .. الخ
فكيف كانت هذه النتيجة لصعود تيار عرف ب “الاصلاحي”؟
الاجابة ببساطة هي الكرسي نفسه: السلطة المطلقة، هي التي تفعل كل ذلك وأكثر، فحين يكون البطريرك هو المرجع لكل شيء روحياً وعقيدياً وسياسياً وادارياً ومالياً (طبعاً) .. الخ لابد أن يحدث هذا وأكثر.. ليست المشكلة في أشخاص (البابا كيرلس أو البابا شنودة أو غيرهم) بل المشكلة هي تلك الصلاحيات المطلقة الممنوحة لبشر بحيث لا يُساءَل 
ولا يُراجَع بحجة الاختيار الالهي!!

أعلم أن انتخابات البطريرك الجديد على الأبواب وستتم فيها كل التجاوزات الهزلية العبثية (العباسية) المصاحبة لأي انتخابات تجري على أرض مصر،
وسيأتي من يأتي ليمتلك مفاتيح الأرض والسماء، وتنطلق جوقة “فرح العمدة” اياها لتسبغ عليه الصفات الالهية، ونعود ندور في نفس الدائرة المفرغة .. وستكون نقطة فاصلة جديدة نختار فيها بين إصلاح ما أفسده الزمن
أو مواصلة مسيرة التخلف والرجعية!

 

روابط ذات صلة:
بيان من نظير جيد رئيس تحرير مجلة مدارس الأحد في عام 1952 يهدد البابا البطريرك الأنبا يوساب
سقوط الجبابرة أو شهوة البطريركية

تدوينات أخرى عن الكنيسة المصرية:

أربعون عاماً في المتاهة
الحركات القبطية المدنية المعاصرة
فرح العُمدة
أنا الرب .. “شفيق”


شكر خاص للصديق فادي على مساعدته لي في هذه التدوينة 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: